الرئيسية » كُتّاب الموقع » تأملات من بلاد عشوائية

تأملات من بلاد عشوائية

الحلقة السابعة

ان البلاد العشوائية هي بلاد ثابتة في الزمن و ممتدة في المكان ,فالزمن ثابت فيها منذ أربعة عشرا قرنا على الأقل ,أما امتدادها المجالي فهي تلك الأرض الممتدة من الخليج الى المحيط ,و هي بلاد كلاسيكية الشيء الوحيد الذي يتجدد فيها هو الفساد و الغباء بكل أبعاده الفكرية ,انها بلاد حيث القبور الهة تجلب الرزق و الذرية و تزوج العزاب و الأحجار تعالج مجموعة من الأمراض ,و التبرك ببول الشيوخ يجلب السعادة ,فتقاليد الأموات هنا لازالت تسري على الأحياء ,ماتوا بأجسادهم لكن أعرافهم لازالت حاضرة ,فالنوافذ لم تفتح بعد لتجدد الفكر الذي قد ركد منذ قرون ,و تجار الدين لازالوا يمارسون دوغمائيتهم المعهودة على الناس و يفكرون بالنيابة عنهم ,و كل الأفكار هنا تنبع من مبدأ المثالية و الحقيقة الحتمية حتى و ان كانت المواضيع المناقشة تافهة بكل المقاييس :كجواز مضاجعة المرأة الميتة, أو حول طريقة دخول المرحاض ,,فيخضع النقاش لقانون معروف هو الطائفية و المذاهب المختلفة ,و اختلاف الرأي يؤدي إلى الصراع و التطاحن و التفرقة بين مختلف الفرق ,فتتم مقابلة الخطأ بالخطأ و يعاد إنتاج نفس البنية الفكرية داخل دائرة مغلقة عنوانها الخطأ ,رغم أن الأمر برمته يدخل ضمن دائرة الخبث …يا أمة ضحكت من جهلها الأمم …

,الساعة العاشرة صباحا ,المكان السوق المركزي للمدينة
دخل ‘ح’ من الباب الكبير يجر خطاه ,وعيناه الواسعتان البراقتان كانتا تشيان بحزن عميق متشعب داخل أوصاله التي لا تداعبهما الشمس إلا قليلا…ربما كانت اخر مرة هو صباح هذا اليوم, فعندما أتعبه السر و ساد في قلبه ما يشبه النكبة الأولى قرر النزول إلى المدينة الراكدة بالخيبات و التخلص من القيود المخبرية لحراس الأدب ,لعله يجد ما يملأ به وقته و يعينه على مضاجعة الحياة ,…كان يمشي بخطوات وئيدة بين ممرات السوق المركزي و هو يحدق في الخيرات المتراكمة على الأرض,,, لاشك أن الأرض, بتواطؤ مع الرأسماليين الكبار, أعطت هذا البلد أكثر مما يستحق أو جعلته كذلك الطفل المدلل الذي يريد كل شيء و لا يقبل أي أحد ,فهي تأخذ أكثر مما تعطي و الضحية دائما هو ذلك الأخر المنسي بين ثناياها ,المعرض دوما للتمييز …توقف أمام البرج السابع ,برج الحاج ‘م’ ,كان يعرفه حق المعرفة فهو من شجرة عائلته الكبيرة و ابن مدينته و أحد أبرز البائعين الذين يتاجرون في أحلام الخاسرين ,ربما أقوى ما يدل على ذلك هو الغموض الذي يتلبس كل تلك الثروة التي جمعها في مدة وجيزة ,ما ان لمحه الحاج حتى قام من مكانه و عانقه معانقة الأب الحنون و استرسل في عبارات الترحيب فهو رجل قوي اللسان محترف في التهام الأقوال الساخنة بحكم مجال عمله كتاجر وهو الشيء الذي يحتم عليه ذلك…تعددت الكلمات و العبارات و الأسئلة بين الحاج و ‘ح’ و كانت الإجابات دائما كلاسيكية و مبدئية ,إلى أن وصل ‘ح’ أخيرا عند طلب النهاية و رغبته الكبيرة في الانتصار حينها فقط انطلق السباق من جديد , حين طلب ‘ح’ من الحاج تقديم يد المساعدة أو بعبارة أخرى الجود عليه بعمل داخل برجه , تلعثم الحاج في إجابته و فقدت الكلمات بريقها و سرعتها المعتادة ,لينطق في الأخير بعبارة الموافقة , ليس طاعة لطلب ‘ح’ و لكن للحفاظ على سمعته كرجل كريم لا يرد من يسأله خصوصا اذا كان من جذور شجرته ,بالإضافة إلى أنه كان في حاجة لمن يقوم بدور المحاسب لتسجيل أسماء و ديون الزبناء, الشيء الذي كان يقوم به لوحده و لم يجد حرجا في التخلي عن ذلك و الاكتفاء فقط بالاستلام و الوقوف على التسليم…شكر ‘ح’ الحاج وأثنى عليه بكل عبارات منظومة الله التي كان يعشقها الرجل, و ضرب معه موعدا غذا حتى يبدأ مشوارا جديدا مع الحياة لأمنيته البسيطة التي تحققت قبل حين ,رغم أن ذلك لم يكن حلمه ,لكن عندما تتصارع الأماني تموت الأحلام و تبقى الحياة سباقا للمسافات الطويلة يضطر الإنسان فيها أحيانا لتقبل الفتات في انتظار الكسرة الكبيرة …
خرج من السوق الكبير واتجه نحو المقهى المقابل ,أحس ان فنجان القهوة سيكون دوائه فسواديته تستهويه دائما و تلهب شهيته النوستالجية …ان الوحدة فعلا هي جليس سوء من نوع خاص تجعل النفس أقرب ما يكون الى الجنون و تضيع العقل بين متناقضات الماضي و الحاضر و تخنق المستقبل
أخذ الجريدة المرمية فوق الطاولة كعبادة و ليس كعادة لأن البشر هنا في المقاهي لا يهتم بقراءة الجرائد, رغم رداءة أخبارها, أكثر مما يهتم بمتابعة احتكاك أفخاذ النساء و تمايل الصدور المارة في الشارع … بدأ يقلب صفحاتها ,أثار انتباهه خبر شاب يقدم على الانتحار بحرق نفسه احتجاجا على حقه في العمل , كان يتساءل ,ما ذنب الإنسان أن يخلق في بلاد عشوائية جاد عليها رب السماء بكل أنواع الخيرات و الثروات لتضيع فيها أثمن ثروة…الإنسان ؟ كم أصبحت قاسيا أيها الوطن على أبنائك ,بالأمس مات كل المقاومين تباعا لكل تهمة مصطنعة ,و اليوم بقيت الحشرات تأكل ما تبقى من جيب الوطن و جهد المواطن ,و حتى الشيطان هرب بعد أن كثر من يلعب دوره بامتياز ,ماذا تبقى لأبنائك الأوفياء ؟ قد أصبحوا أشلاء ينتظرون الموت ليحمل ما بقي منهم و يرحل من دون عودة .أما المرأة تلك الأم الحنون و الأخت المقهورة ,فلازالوا يعتبرونها عورة و جسدها ملك للعائلة ككل كأنها قطعة شطرنج يتحكم فيها كل البيادق ,ويغلفونها برواية تجار الدين و يبيحون مضاجعتها حتى في القبر و يحلون لأنفسهم المثنى و الثلاث و الرباع و أكثر و أكثر على قدر مالك تزوج و على قدر ما تدفع تأخذ ,و تلك القطعة الحمراء بين فخذيها هي شرف الأهل و القبيلة حتى و ان كان كل أهل القبيلة يمارسون الفسق بكل أنواعه فالعرض و الشرف هنا مرتبط بالمرأة و لا علاقة له بالرجل ,يحتفلون بها مرة واحدة في السنة و يهدونها دبدوبا أحمر شكرا و امتنانا لها على تقبلها لكل أنواع التمييز و الحكرة ,فتبدي فرحا غير موصوف بذلك ,فيصبح التجرؤ على حقوقها من المسلمات التي لا فرار منها …وكنا خير أمة أخرجت للناس……
ارتشف اخر ما تبقى في بالفنجان، ابتسم لخياله المدلل…حتى اختفى سواد القهوة بين دهاليز الفكر …(يتبع)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.