الرئيسية » كُتّاب الموقع » ذاكرة النضال العمالي في سنوات الرصاص انطلاقا من إضرابات رجال التعليم سنة 1979

ذاكرة النضال العمالي في سنوات الرصاص انطلاقا من إضرابات رجال التعليم سنة 1979

أخذتني ذاكرتي وأنا أمعن في نتائج الإضراب العام ليوم 10 دجنبر 2015 الأخير، الذي حقق أهدافه كما ذكرت المركزيات النقابية المشاركة في الإضراب والحكومة لم تحرك ساكنا ، إلى إضرابات سنوات الرصاص خصوصا سنة 1979 ، سنة يتذكرها معي كل الذين مازالوا على قيد الحياة ، وخاصة من رجال التعليم والصحة .

سنة 1979 كانت فاصلة في تاريخ الحركة النقابية المغربية، إذ شهدت موجة لضالات غير مسبوقة ، لأن الانخراط في الإضرابات للمطالبة بالحقوق المهضومة لفئة واسعة من الموظفين والعمال ، كانت شبه مستحيلة في ذلك الزمان ، إضرابات سنة 1979 كانت متميزة و مميزة لعدة اعتبارات : منها دخول عدة مدن وأقاليم “نائية” ، في العمل النقابي و السياسي التقدمي الجاد الذي كان محاصرا ، كإقليم الرشيدية ، تأسيس فروع نقابية منضوية تحت لواء المنظمة الفتية الكفدرالية الديمقراطية للشغل بالرشيدية ، تحدي المناضلين للترهيب و التخويف الذي كانت تمارسه الأجهزة المخزنية على مسئولي المكاتب النقابية الفتية ، والتي كانت تستعمل تارة التهديد و الوعيد ، وتارة أخرى الترغيب و المساومات.

ذاكرتي أخذتني كذلك إلى الجمود النقابي الذي ساد الرشيدية بعد إغلاق المقر الوحيد لفرع “الاتحاد المغربي للشغل ” الموجود بزنقة البريد أمام الدائرة الأمنية الأولى بالرشيدية ، والذي نفض أنفاسه الأخيرة وتبرأ من أي عمل نقابي مند ستينيات القرن الماضي ، بعدما شتت أعضائه ، اثر استفادة البعض منهم من صفقات حكومية مغرية . عندها ظهرت ثلة من المعلمين و الأساتذة كمناضلين أحرار ، الذين استطاعوا أن يحملوا مشعل العمل النقابي و السياسي الجاد في ظروف كانت القوى الرجعية المتسلطة على خيرات البلاد تستحوذ على الوظائف العليا وعلى الممتلكات الوطنية وترسل أبنائها للدراسة بالخارج و…. ، بعد اقتناعهم بالمسيرة النقابية الجادة لتي تقودها النقابة الوطنية للتعليم برئاسة المرحوم عبد الرحمان …

اجتمعنا على هذا الأساس، لتأسيس أول فرع نقابي للنقابة الوطنية للتعليم بداية سنة 1978 ، وكان هذا بمقر “الاتحاد المغربي للشغل ” المذكور أنفا ، الذي استطاع عون من الصحة (س. ب.) أن يحتفظ بمفاتح المقر ، اجتمعنا ، وأتذكر بأن الفصل كان باردا ، داخل قاعة صغيرة بذات المقر حيث غصت بمناضلين ، لكن الذي كان غير عادي ، هو إصرار السلطة على الحضور معنا داخل القاعة للمتابعة ولتخويف الحاضرين ، وكان عددهم أربعة ( مقدم ، شيخ وعنصرين أمنيين ) ، وحضر من الدار البضاء عضو المكتب الوطني للنقابة الأخ صبري أحمد الذي وافته المنية شهر نونبر الماضي من هذه السنة 2015

إضرابات 10 و11 أبريل 1979 جاءت بعد تأسيس المنظمة العمالية (ك.د.ش) بأقل من سنة ( دجنبر 1978) ، بعد جمود طويل اختفى فيه العمل النقابي ، وغاصت فيه الحركة النقابية بفعل سياسة القيادة البيروقراطية لنقابة “الاتحاد المغربي للشغل “التي كانت ضد مطالب الشغيلة التعليمية ، فكان شهر أبريل من سنة 1979 بمثابة العلامة البارزة ، التي أبانت عن نضالية المنظمة النقابية الفتية (ك.د.ش) بفعل دخول مناضليها ومنخرطيها من موظفين وعمال في التصعيد ، وبلغت مستوى متقدما عندما قررت النقابة الوطنية للتعليم خوض إضراب إنذاري لمدة 48 ساعة ، متجددة الى غاية تحقيق المطالب .

هنا و بمجرد الإعلان عن الإضراب ، تجندت الدولة بجميع مكونتها لاحتواء الإضراب ، وأخذت تتصل بالمؤسسات التعليمية التي بها مناضلون مسئولون بالمكتب النقابي الداعي إلى الإضراب ، وأتذكر جيدا تحركات عامل الإقليم أن ذاك الطبيب ( م. ب.) وهو يرسل أصدقائه من ممرضين خاصة بحكم معرفتهم لهم أثناء اشتغاله كطبيب رئيسي بمستشفى الرشيدية ، قصد الاتصال بالنقابيين لإغرائهم ، كما قام النائب الإقليمي (بن اسماعيل الشيخ) بنفس المسعى ، وكنت من بين الذين استدعوا الى مكتب العامل والنائب من أجل التراجع عن الإضراب ، لكن إصراري كما كان إصرار زملائي هو تنفيذ قرار الإضراب .

والغريب في كل هذا، هو تحركات السلطات بكل تلاوينها والتي استعملت جميع أنواع المحاولات الاغرائية من أجل إفشال الإضراب مع المناضلين ، والتي لم تسفر على شيء. عندها قررت في ليلة الإضراب الاجتماع مع رجال التعليم في مقرات عملهم خاصة في ثانوية ابن طاهر. السلطات التي حضرت للاجتماع كانت من أعلى سلطة إقليمية ، عامل الإقليم والكوميسير الدفيزيونير ومختلف المصالح الأمنية بما فيها الديستي. الاجتماع كان الهدف منه هو كسر الإضراب ، ولأجل ذلك قدمت السلطات أوراق للأساتذة وطلبت من كل واحد التوقيع على أنه لن يشارك في الإضراب ، وكل من رفض سيكون مصيره السجن ، وهكذا وقع لمن رفضوا وكان من بينهم الأخ مساعدي إبراهيم الذي كان يشتغل كموعد بالثانوية .

بالنسبة لي أنا الذي كنت معلما بمدرسة البنات ، إعدادية المسيرة حاليا ، عملت النيابة على استدعاء جميع المعلمين و المعلمات العاملين بالمدرسة الى مقر النيابة على الساعة العاشرة صباحا من يوم الاثنين 09 أبريل 1979 قصد معرفة من سينفد الإضراب .

خروجنا من المدرسة صوب النيابة كان خروج بطولي نضالي ، حيث كان الجميع متيقن من مشروعية الإضراب خاصة وأن الدستور يكفله ، لكن الرياح في ذلك الصباح هبت ضد مجرى تنفيذ الإضراب ، حيث ونحن في طريقنا راجلين نحو النيابة وما أن وصلنا المستشفى الكبير ( مندوبية الصحة حاليا ) ، حتى تفاجئنا برجلين من الشرطة القضائية يستوقفونني مطالبين بأن أصعد معهم الى المفوضية لغرض يهمني كذا ، فرفضت ، وانصرفوا ، لكن ما أن واصلنا المسير حتى رجعوا ، وعاودوا الطلب لكن هذه المرة بطريقة تهديدية مستفزة ، أمام هذا الوضع تدخل زملائي وطلبوا مني الامتثال حتى لا تتطور الأمور.

ركبت اللندروفير وسط أمنيين من دون كلام ، وأودعوني الكاشو (السيلون) الموجود في قبو الكوميساريا بالرشيدية ، من دون أي استفسار أو تحقيق . وهنا شاع الخبر ، وبدأت السلطات تلقي القبض على المناضلين وبعض المتعاطفين وتلحقهم بي في المخفر حتى صرنا ثمانية في جهة ، ثلاث منهم داخل الكاشوهات بجانب المرحاض وهم : فجر مبارك ، أمساعدي إبراهيم و فكري عبد الله …ولم أتذكر أسماء الآخرين ، وثمانية في الجهة أخرى من المخفر أقل “خطرا” كما ادعت السلطات أن ذاك ، لكن الذي يجب معرفته هو أننا نحن الثمانية المعتقلين قضينا عشرة أيام داخل الزنزانة بدون أكل ، عدا خبزة واحدة كانت تسلم لنا كل يوم ، ولم نغادر المخفر في اتجاه السجن المحلي بحي لابيطا ، إلا بعد توصلنا بقرارات الطرد من الوظيفة على الساعة الثانية عشرة ليلا و وقعنا على تسلمها تحت الضرب و التهديد لأننا رفضنا في الوهلة الأولى على التوقيع عليها رغم أننا كنا مرسمين في الوظيفة العمومية .

ولإشارة فقط ، فقد بلغ قمع الدولة وإرهابها ذروته للرد على هذا الإضراب الذي لم ينجح ، وعلى مجمل الدينامية النضالية التي أبان عنها رجال التعليم ، حيث نفدت حملة قمع لم يشهد تاريخ النضال النقابي نظيرا لها طيلة فترة ما بعد الاستقلال ، حتى أن الدولة شردت أكثر من 780 رجل تعليم و 178ممرض و طبيب ، وكان مجموع المعتقلين 688 ،- 230 منهم حوكموا ما بين ثلاثة أشهر و سنتين نافدتين مع غرامات مالية متفاوتة … إلا أن عزم وإصرار مناضلي حزب الاتحاد الاشتراكي والكفدرالية الديمقراطية للشغل وقفت بالمرصاد ، وسهرت على تعويض المفصولين بتجنيد جميع الطاقات الحية بالوطن ، فكانت تؤدى المساعدات المالية والعينية ، و التي كانت توزع على أسر المفصولين بانتظام إلى أن سطع صوت الحق وتم إرجاع كل المظلومين إلى وظائفهم أواخر سنة 1981 .

يتبع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.