الرئيسية » أقلام وآراء » قهوة آدم …

قهوة آدم …

جلس آدم كعادته، كل مساء في مقهى محفوظ، يحتسي قهوته الرديئة المحروقة، فيمتزج طعمها المر في لسانه مع بعض حبات البن التي قاومت العصر، فينتابه شعور بالمرارة و صعوبة بلع القهوة، و مع ذلك يستمر في رشف قهوته ببطء. فينهي كأسه بعد مضي وقت ليس بالهين، في أحيان كثيرة يتعدى الساعتين. أيكون هذا هو الشعور الذي ينتشي به و يواسيه؟ ألهذا يرتاح لطعم القهوة الرديئة و يحب ارتياد المقاهي الشعبية ؟ أتذكره القهوة الرديئة بحياته المرة التي يبتلعها على مضض؟

حاول مرة أن يجرب ارتياد مقاهي مختلفة، فجلس في “فينيسيا أيس” و طلب كابوتشينو. فشعر بوحدة قاتمة. كابوتشينو بدا له لا يشبه قهوته في شيء فابتلعه في خمس دقائق. و خرج متيقنا أنه لن يعود أبدا. فهناك لا أحد يتحدث عن السياسة. و لا أحد يتحدث عن حكايات الناس. و لا أحد يتحدث بصخب. و لا شيء يثير الانتباه. فقط بضع مراهقين و مراهقات يتحسسون في أيدي بعضهم البعض، و بعض الرجال في مقتبلي العمر و بربطات العنق يتحدثون عن المال ثم المال و أخيرا المال… هناك حتى النادل بربطة عنق و يقف مستقيما و أنيقا و هو يسألك عن طلبك. ألهذا شعر بضيق شديد و بغربة موحشة في ذاك المكان؟

أخذ يتحسس جسمه النحيل الهزيل، و شعره الخفيف، و يمرر لسانه على فراغات أسنانه التي تكسرت، و يعد أسنان فمه: ينقص ثلاث أسنان و خمس أضراس. فينتابه شعور بالهزيمة و الانكسار سرعان ما يتحول إلى غصة حبيسة في حلقه. لماذا لم يستطع أن يحافظ على ذاته من التدمير؟ أي خطإ ارتكبه؟

حاول أن يطرد أفكاره و هو غير مقتنع بأن هذا الجسم النحيل و الوجه المليء بالبثور ما زال يخفي تحته جمجمة قادرة على التفكير و ربط الأشياء. في جميع الأحوال، ما جدوى التفكير إذا كان يوجد دائما من سيفكر مكانك و يقرر من أجلك و يتحدث بلسانك و يستعر يدك ليصفق و يصفع و يوقع بها؟

أدار عينيه يتأمل مقهى محفوظ. بنيت في الثمانينات في وسط المدينة. مالكها كان متأثرا بأدب نجيب محفوظ، معجبا بأجواء المقاهي الشعبية في رواياته، فقرر أن يسميها مقهى محفوظ لعل هذا الاسم يضفي عليها نكهة خاصة. مات المالك الأصلي، و لكن الورثة حافظوا عليها. فالقهوة الرديئة التي تقدمها أصبح لها جمهور عريض.

لم يتغير في المقهى شيء على الإطلاق. نفس الكراسي الخشبية المتداعية، نفس الطاولات المتدلي من تحتها غطاء من البلاستيك الرخيص. نفس الإضاءة الخافتة و الهواء المختنق الملوث بفعل الدخان المتطاير في الأفواه، نفس الصخب و نفس النقاشات الحادة، نفس صوت و حركات النادل الخفيفة. فقط اختلط صوت مذيعي قناة الجزيرة مع صوت رواد المقهى. و لكن مع مرور الوقت، انطفأ سحر قناة الجزيرة. فعلا من جديد صوت النقاشات الحادة و القهقهات الممزوجة برمي قطع الدومينو على طاولة البارتشي، وعلا من جديد صوت كؤوس الشاي و القهوة التي تقرع فوق الطاولة بحدة، و صوت أوراق الجرائد و هي تطوى بكثير من الهرج، و هي عادة أشباه المثقفين الذين يحجون إلى المقهى لإثارة الانتباه إليهم..

و بفعل تقدم التكنولوجيا ، ظهرت عادات جديدة كمشاهدة مقاطع الفيديوهات المرسلة عبر الواتساب، و التي في الغالب عبارة عن زلات السياسيين المتداولة في السوق السياسي الأسبوعي، أو عن بعض الفضائح الجنسية فترى بؤبؤ العين يتوسع و يجحظ من خلف شاشة الهاتف المحمول كما تصفر الوجوه و يتصبب منها القليل من العرق البارد. كما ظهر في المقهى نشاط جديد و هو تتبع التدوينات الفايسبوكية و الصفحات الشخصية لبعض المناضلين السياسيين المحليين أو بعض الصحفيين أو بعض الشخصيات المحلية أو أبناء و بنات الأحياء المجاورة، فتأخذ هذه التدوينات و التعليق عليها و مناقشتها حيزا مهما من الوقت و في بعض الأحيان يغطي على معظم أنشطة المقهى و يصبح الحدث الجلل فيها.

سرح آدم ببصره ،و هو يرشف قهوته الرديئة الباردة، على طاولة بها مجموعة من المناضلين الشباب، ظهروا مع موجة الربيع العربي، فانتشروا في الاحزاب اليسارية و التقدمية و الإسلامية، كما اختار بعضهم النضال في الأحزاب المحافظة. أثار انتباهه شاب بشعر كثيف و بنية قوية و عيون ثورية، كان يخطب و يناقش بحماسة، و ينتقد بشدة الأوضاع السياسية بالبلد. و في خضم هيجانه أرسل تدوينة جبارة و مخيفة عبر الفايسبوك، أو هكذا تهيأ له، كتب فيها ” السلطة المطلقة لله وحده… لا للتحكم في رقاب العباد… لا للسلطوية… لا للدكتاتورية… لا لنظام حكم الحزب الواحد”.

تذكر آدم، بأنه فيما مضى، كان الحزب الإسلامي يشتكي من التحكم و السلطوية، و كتائبه الفايسبوكية كثيرا ما كانت تطلق تدوينات مزلزلة لاعتماد ديمقراطية صناديق الاقتراع. و لكن عندما وصلوا إلى الحكم، أردوغان قتل و أعدم و سجن كل صوت معارض له. الله سبحانه لم يقتل الشيطان معارضه الوحيد بل تركه يؤسس حزبه: حزب الشيطان. أما الإنسان، ما إن يصل إلى السلطة حتى يبدأ في تصفية معارضيه. فالسلطة تدنس الإنسان. و من يثق في المعارضة قبل وصولها إلى الحكم عليه أن يكون ساذجا.

احمرت وجنتا الشاب من الغضب، و أخذ يصرخ بانفعال و هستيرية وسط جموع المقهى:

إننا نعيش الجهل المطبق يا سادة. لقد مات الإنسان. انظروا إلى تعليقات بعض المعتوهين على تدوينتي… أبو حفص كتب تعليقا يقول ” الإنسان خليفة الله في أرضه… إذا كان الله سبحانه يتحكم في كل البشر فإن خليفته في الأرض عليه أن يتحكم في بعض البشر… ” . أما أبا صخر فكتب تعليقا يقول: ” الله نفخ في الإنسان من روحه، فالإنسان يملك جزءا من روح الله و بالتالي جزءا من صفاته. فإذا كانت السلطة المطلقة لله وحده فالسلطة المطلقة النسبية لخليفته”. أما أم مكرم فعلقت بآيتين ” قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء” و “إِنَّ الأْرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”… لقد استأسدوا علينا يا رفاق و أصبحنا غرباء في أرضنا، يتحكمون في رقابنا كما يشاءون و يأكلون خيرات البلاد و يدعون أن هذا من فضل الله عليهم. لا بد من الثورة فالثورة هي الحل…

شعر آدم بالضجر و اللامبالاة، و هو يتأمل الشاب و هو يهتف بانفعال و يحرك يديه بعصبية و يضرب فوق الطاولة و هو يدعو إلى الثورة. سئم أدم من الكلام و من الأفكار و بدا له أن الإنسان يستهلك الكلام و الأفكار أكثر من الخبز و قارورات الماء و بأن الكلام و الأفكار تجارة رائجة على مر العصور. ألم يكن هو الأخر ضحية فكرة؟.

لم يستطع أن يحبس ذكرياته.

كان أدم يشبه كثيرا هذا الشاب الثوري. قويا و وسيما و معتزا بنفسه لحد الغرور. كان يعتقد في فورة الشباب و يؤمن بالحرية لحد الهوس و الجنون.

في أحد الأيام كان يتنزه في أحد الشوارع الهامشية بالمدينة مع عشيقته، و التي لم تكن سوى زميلته في الجامعة. في عهده الشاب الثوري المثقف كان يسحر الفتيات. هو لم يكن مثقفا، و لكن كان ثوريا متمردا بالفطرة رافضا للقوانين و الأعراف المجتمعية الموضوعة غير مكترث بما يقيمه البشر و يعتبر ان ذلك لا يعنيه في شيء. كان يسمع عن جان بول سارتر من مثقفي الحرم الجامعي و لكن لم يفكر أن يقرأ له يوما فهو يكره القراءة عموما، و لو لم يكن سيمتحن في آخر السنة لتخلى عن المقرر الكئيب الثقيل أيضا. و لكن عندما وقعت عيناه بالصدفة على مسرحية الذباب لجان بول سارتر، مفروشة مع كتب كثيرة مستعملة، انقض عليها بحركة رشيقة ليبهر عشيقته، حمد الله في سره عندما أخبره البائع بأن ثمنها ثلاث دراهم فقط. في الواقع لو كان وحده ما كان سيشتريها أو ربما كان سيساوم البائع ليحصل عليها بدرهمين و يبيعها ثانية لمثقفي الحرم الجامعي بمبلغ محترم و يشتري بفائض الصفقة علبة سجائر. و لكن لإغواء عشيقته، قدم المبلغ للبائع بدون مناقشة و أخذ يمسح على غلاف المسرحية باهتمام و حذر بالغين لإزالة الغبار عليه و كأنه عثر على كنز ثمين.

انطوت الحيلة على الفتاة، أو ربما تظاهرت بذلك. فتعلقت بذراعه و هي تقفز بمرح طفولي و تطلب منه أن يخبرها بفحوى الكتاب الذي اشتراه و ماذا يحكي؟ انتشى بردة فعلها الأبله و هو يتساءل في أعماقه كيف تفكر الأنثى؟ و هل تفكر فعلا؟

سرعان ما طرد الفكرة من رأسه، فهو لم يكن مهتما إن كانت تفكر عشيقته أو حتى كيف تفكر. فداعب مؤخرتها المدورة بمسرحية الذباب و لطمها بضع ضربات خفيفة و هو يعدها بأنه سيخبرها بالتفصيل المرة القادمة بفحوى المسرحية. و هكذا وضع نفسه في ورطة حقيقية لأنه كان عليه أن يقرأها و هو كاره لذلك.

لم يكن متحمسا لقراءة المسرحية . ففور عودته إلى منزله في المساء، رمى بالمسرحية بدون اهتمام فوق مكتبه الغير المنظم. و ذهب يبحث عن بقايا طعام يمكن أن يلتهمه.

قبل أن يخلد إلى النوم، أخذ المسرحية بلا مبالاة، و أخذ يقرأها. و لكن عند أول صفحة أخذته أجواء المسرحية، و لم يستطع أن يخلد إلى النوم قبل أن يكملها. فهي كانت توظف أسطورة إغريقية لتتحدث عن الحرية التي كان ينشدها آدم.

أحداث مسرحية «الذباب» كانت تدور في اليونان القديمة، في مدينة آرغوس. حيث خانت كليتمنستر زوجها الملك أغاممنون أثناء قيادته لغزوة خارجية مع عشيقها ايجيست. وعندما يصل أغاممنون منتصراً يتآمر ايجست مع كليتمنستر فيقتله و يستولي أيجست على العرش و يتزوج كليتمنستر. كما سيأمر أيجيست بقتل أورست الصغير ابن أغاممنون و كليتمنستر. ولكن المكلفين بقتل أورست ستأخذهم الشفقة به فيتركونه حيا فى الغابة، وينجو أورست ويشب فى أثينا فى منزل أحد الأغنياء الذى يكلف المربى بتعليمه وملازمته.

أقام أيجيست نظام قمع وعنف في المدينة، و فرض على أهلها التكفير على جريمة قتل أغاممنون، جريمته. تلك الجريمة التى يحتلفون بذكراها يوما كل عام وهو اليوم الذى يعبرون فيه على ندمهم على الجريمة وعلى حياتهمم ذاتها بينما أيجيست نفسه لا يبدو عليه أي شعور بالندم.

بعد خمسة عشر عاما، سيعود اورست ومعه المربي إلى مدينته أرغوس، ليجد أهل المدينة و قد تكاثر عليهم الذباب و استولى عليهم طنينه، و هو يرمز إلى الشعور بالندم و الذنب. و هذا ما سيجعل جان بول سارتر يكتب جملته الشهيرة على لسان أورست ” إن أجبن القاتلين هو الذي يعاني الندم”.

سيقرر أورست الانتقام لأخته ألكترا التي لم تكن تعرفه و لكنها استشعرت بوجوده. و لكن جوبيتر، ملك الآلهة الإغريقية الذي كان يعلم بحقيقة أورست، كان يراقبه عن كثب و يتتبع كل خطواته. و سيحذره من التدخل في الأحداث و سيأمره بأن يترك أرغوس كما هي، مدينة غارقة في الذنب و الندم و طنين الذباب.

سيصر أورست على الانتقام، و ستتعرف الكترا على أخيها و ستطلب منه أن يقتل أيجيست و والدتها كليتمنستر . فقلبها منذ خمسة عشر عاما و هو يتغذى بالانتقام. يقتل أورست الملك ايجست والملكة كلتيمنسترا أمه. سيهاجم جوبيتر الكترا و أورست ليجعلهما يشعران بالندم جراء جريمة القتل المقترفة. ستضعف الكترا وتنهزم وتستسلم للندم، أما أورست فسيخوض حوارا شرسا مع جوبيتر.

سيعيد أدم قراءة الحوارين الأخيرين بين أورست و جوبيتر عدة مرات و سيعتقد أنه الجواب على الكثير من القضايا التي كانت تزعجه منذ البارحة.

أعجب أدم بهذا المقطع. و بدا له أن أورست أعطي تعريفا جيدا عن الذات البشرية كما يريدها أن تكون.

أورست: إن عالمك كله لن يكفي لتخطئتي. أنت ملك الآلهة يا جوبيتر، ملك الصخور و النجوم، ملك أمواج البحر. و لكنك لست ملك البشر.

جوبيتر: لست ملكك، أيها الشبح الوقح. فمن خلقك إذن؟

أورست: أنت. و لكن ما كان ينبغي لك أن تخلقني حرا.

جوبيتر: لقد أعطيتك الحرية لتخدمني.

أورست: هذا ممكن، و لكنها ارتدت عليك، و لا حيلة لنا بها، لا أنا و لا أنت.

جوبيتر: أخيرا، ها هو الاعتذار

أورست: أنني لا أعتذر

جوبيتر: حقا؟ أتعرف أنها تشبه كثيرا الاعتذار، تلك الحرية التي تقول أنك عبد لها؟

أورست: أنا لست السيد، و لا العبد، يا جوبيتر. إنني حريتي. فما كدت تخلقني حتى كففت أن أخصك.

كان أدم يقرأ و يتخيل نفسه أورست. و يتساءل هل يمكنه أن يخوض معركته في الحياة و يقاوم إغراء جوبيتر. جوبيتره. فجوبيتر أدم لم يكن أكثر من الرجل المخيف، أو الرجل ذو البذلة السوداء كما يلقبونه في الحرم الجامعي.

أعاد أدم قراءة الحوار الأخير الذي يغري فيه جوبيتر أورست للرجوع إلى كنفه و الاعتذار عن خطاياه.

جوبيتر: ليس الشر شديد العمق، فقد بدأ بالأمس فحسب. عد إلينا. عد و انظر كم أنت وحيد، فحتى أختك تتركك. إنك ممتقع اللون، و القلق يوسع عينيك. أتؤمن أن تعيش؟ أيها الغريب على طبيعتي و الغريب على نفسك ذاتها. عد: فأنا النسيان، أنا الراحة.

أورست:غريب على نفسي، أعرف هذا. خارج الطبيعة، ضد الطبيعة، بلا عذر و لا ملجأ إلا في. و لكنني لن أعود تحت شريعتك: فأنا محكوم علي بألا تكون لي شريعة أخرى غير شريعتي. إنني لن أعود إلى طبيعتك: إن هناك ألف درب مرسومة فيها تؤدي إليك، و لكني لا أستطيع أن أتبع إلا دربي. ذلك أني إنسان يا جوبيتر، و على كل إنسان أن يخترع دربه. إن الطبيعة تشمئز من الإنسان، و أنت، أنت، رب الأرباب، أنت أيضا تشمئز من البشر.

جوبيتر: إنك لا تكذب، فحين يشبهونك، أكرههم.

أورست: حذار، لقد اعترفت بضعفك. أما أنا، فلا أكرهك. ما شأني بك؟ إننا ننساب أحدنا بموازاة الأخر، من غير أن نتماس، كسفينتين. إنك رب، و أنا حر: فنحن متشابهان في الوحدة.

جوبيتر: ماذا تنوي أن تفعل؟

أورست: إن سكان أرغوس هم ناسي. و يجب أن افتح عيونهم.

جوبيتر: يا للناس المساكين. إنك ستهدي إليهم الوحدة و العار، إنك ستنتزع الأقمشة التي غطيتهم بها، و ستريهم فجأة حياتهم القذرة الباهتة التي أعطوها من أجل لا شيء.

أورست: لماذا تراني أرفض أن أقدم لهم اليأس الذي أعانيه، ما دام نصيبهم؟

جوبيتر: و ما عساهم يصنعون؟

أورست: ما يشاؤون، إنهم أحرار، و الحياة الإنسانية تبدأ في الجانب الأخر من اليأس.

بعد قراءته للمسرحية، اعتقد أدم بأنه عرف بالضبط ما عليه عمله غدا صباحا. فبدا له أن الرجل المخيف أو الرجل ذو البذلة السوداء في الحرم الجامعي يشبه جوبيتر. و عليه أن يكون أورست ليتغلب عليه.

الرجل المخيف كان يراقب عن كثب كل طلبة الحرم الجامعي، و يسجل زلاتهم و خطاياهم. و ما إن يرتكب طالب خطيئة ما تستوجب العقاب القانوني حتى يستحوذ عليه و يضغط عليه ليصبح تابعا له. كان يستغل لحظة سقوطهم ليجعلهم يلتفون حوله فيصبحون كالعجين اللين المطيع. يعتقدون أنهم بالتفافه حوله سيتحررون من خطيئتهم فيقعون في خطايا أكبر، كالوشاية بالزملاء و الكذب و نشر الإشاعات. يعتقدون أنهم بمصافحة الرجل المخيف سيتغلبون على ضعفهم و يتقوون في الحرم الجامعي، و لكن يزدادون ضعفا و عجزا فيصبحون مسلوبي الإرادة بالكامل، عاجزين عن اتخاذ أي قرار يخصهم بدون الرجوع إليه وطلب الإذن منه.

الرجل المخيف لا يستسلم و لا يهدأ له بال. كان يعلن أن سر وجوده و قوته هو أن يجعل الجميع يلتف حوله، مرتعب في حضرته يسعى إلى نيل حظوته.

أدم لم يكن يهتم بالرجل المخيف في الحرم الجامعي. في الحقيقة لم يكن يهتم بأي شيئ في الجامعة باستثناء مصاحبة الفتيات الجميلات. فهو لم يكن يهتم بالرجل المخيف، و لا بالملتفين حوله و لا بمعارضيه و سلسلة الحلقيات في بهو الجامعة و هي تحذر من خطر الرجل المخيف.

بيد أن الرجل المخيف كان يرقب أدم، و لم يستسغ عدم اهتمامه به. فناداه و طلب منه بابتسامة لطيفة أن يحضر إلى مكتبه نهاية الأسبوع فهو يريد أن يتحدث معه قليلا.

نهاية الأسبوع، يوم غد. كان أدم قلقا، لا يعرف ما عليه عمله. و لكن بعد قراءته للمسرحية، بدا له الطريق واضحا. سيتقمس شخصية أورست. و سيقول له أنا لست معك و لست ضدك، فأنا حريتي.

استقبله الرجل المخيف في مكتبه بترحاب كبير. و منحه قارورة ماء معدني و فنجان قهوة من النوع الجيد. مذاقها ما زال في لسانه.

الرجل المخيف: إني معجب بك يا أدم. فأنت لا تشبه كثيرا زملائك. تبدو غير مهتم بما يقع في الحرم الجامعي و في الآن ذاته تعرف كل شيء.

أدم بارتباك: لي زملاء كثر في الجامعة و أحاول أن أبقى مهذبا مع الجميع

الرجل المخيف: عليك أن تختار يا أدم. لا يمكنك أن تبقى مهذبا مع الجميع. كن معي… أو كن ضدي وشارك في الحلقيات. فالمعارضة لا تخيفني، ففي النهاية أنا من يحتويها، و هي تساهم في التعريف بي و الحديث عني. الحلقيات هم سبب شهرتي في الجامعة. فمعارضي لهم الفضل علي أكثر من حلفائي. و لكن عليك أن تختار يا أدم.

أدم ( مقتبسا كلام أورست): أنا لست معك و لست ضدك. أنا حريتي.

الرجل المخيف ( بغضب): من أين أتيت بهذا الكلام يا ولد؟ أنت لست حريتك يا أدم. أنت خوفك، ضعفك، هواجسك، قلقك، جشعك، نزواتك، غرورك. كبرياؤك و عجرفتك.

أتعرف يا أدم لماذا السلطة دائما ملوثة؟ لأن ما يحرك الجموع للالتفاف حولها هي أردأ ما فيهم كالخوف و الضعف و العجز و الجشع و الشهوة. و أنا لا أكترث إن كنت فاسدا أو نظيفا يا أدم. لا أكترث بما يحرك الجموع لأنني أتغذى و أتقوى بالتفاف الجموع الغفيرة حولي، لا يهمني إن كانوا يلتفون خوفا أو طمعا أو غباء أو طلبا للحماية. المهم أن يلتفوا حولي.

اعتقد آدم، كما في المسرحية بأنه بحوار حضاري بين أورست و جوبيتر يمكن تذويب الخلافات و تحديد الخيارات. و بأن الرجل المخيف سيتركه و شأنه كما ترك جوبيتر أورست يشق طريقه بعيدا عنه.

فأصر آدم على موقفه و تشبث برأيه. فهاج الرجل المخيف و هدده بسخرية قائلا: ” حسن يا آدم. سنرى إن كنت فعلا حريتك؟”

خطف الرجل المخيف آدم من وسط الحرم الجامعي. و وضعه في غرفة مغلقة و مظلمة. دخل عليه رجلين ضخمي الجثة و أشبعاه ضربا و في كل آهة ألم، كان يأتيه صوت الرجل المخيف من خارج الغرفة مجلجلا بسخرية: ” قل لي يا أدم، هل أنت حريتك أم ضعفك؟”

يتركونه يتضور بالجوع، ثم يحضرون أشهى الأطباق و يجعلونه ينظر إليها بشهوة رهيبة. و يسمع صوت الرجل المخيف من خارج الغرفة يقول بسخرية: ” قل لي يا أدم، هل أنت حريتك أم شهوتك؟”

في تلفاز حائطي ضخم. أنتجوا فيلما كان البطل يشبهه تماما. بل هو ذاته، الفيلم ابتدأ بلقائه مع الرجل المخيف في مكتبه بالجامعة . نفس اللقاء و نفس الديكور، و لكن البطل أذعن و رحب بعرض الرجل المخيف. فجعلوه يتحسر على آدم الذي كان من الممكن أن يكون. أدم الوسيم المرح الذي ينتظره مستقبل زاهر و يقود سيارة الفيراري و يعانق الفتيات الجميلات. و يظهر مرة أخرى صوت الرجل المخيف من خارج الغرفة مزلزلا: ” قل لي يا أدم، هل أنت حريتك أم طموحك و جشعك؟”

ثم تركوه بعدها وحيدا في غرفته المظلمة يئن و يتوجع. أسنانه مهشمة و عظامه محطمة. محاط برائحة بوله و غائطه.

لا يعرف كم ظل من السنين. و لكن أدم كان يردد في أعماقه ” أنا حريتي… أنا حريتي..”

و في أحد الأيام، أضاءوا له الغرفة، و كانت بها مرآة طويلة. فأصابه الهلع من شعره المشعث المتسخ و أسنانه المحطمة و جسمه الهزيل. فأخذ يبكي كالأطفال و يصرخ: ” أنا ما يريده لي الرجل المخيف أن أكون… أنا ما يريده لي الرجل المخيف أن أكون”

فظهر الرجل المخيف، و ربت على ظهر آدم بحنان و مودة و تسامح، و قال له بصوت كالفحيح: ” نحن لسنا قتلة و لا ساديين. فنحن لا نعذب من أجل التعذيب. بل نريد فقط الحفاظ على النظام و التوازن الكوني. في بعض الأحيان العقاب الشديد يصبح ضروريا. و الآن و بعد أن أصبحت منضبطا، سأجازيك. و لا تنس أننا في النهاية أصدقاء.”

أومأ أدم برأسه موافقا: ” لستم مجرمون و

عدد القراء: 17 | قراء اليوم: 1

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*