الرئيسية » قالت الصحافة » وسائل الإعلام: مأسسة وعولمة للتغليط -تفكيك مغالطات الميديا-

وسائل الإعلام: مأسسة وعولمة للتغليط -تفكيك مغالطات الميديا-

*المفكر المغربي: إدريس هاني

  1. في البدء: السياسات الإعلامية ودور المحلل السياسي

هنا بيروت، عاصمة الأنارشيا بنكهة عربية، تلك التي شكّلت فرصة تاريخية للكائن العربي تحديدا، أو لنقل الرئة التي لا يتنفس من خلالها اللبنانيون وحدهم بل هي الرئة التي يتنفس من خلالها الأحرار العرب وحتى غير الأحرار العرب، فهي جغرافيا التعبير عن الإرادات، ولهذا كانت الثقافة والإعلام والنشر لها هاهنا حكاية تفرّد، هنا في عاصمة الصناعة الإعلامية العربية كان اجتماعا حافلا بالأفكار ذلك الذي جمعنا قبل أيّام على مائدة النقاش حول العلاقة بين المحلل السياسي ووسائل الإعلام في إطار اجتماع الهيئة التأسيسية للرابطة الدّولية للخبراء والمحلّلين السياسيين قصد تحيين هذا الإطار ومناقشة القانون التأسيسي وميثاق الشّرف وخطّة عام 2017. النصف الأوّل من اليوم تضمن جلسات تتعلق بدور المحلل السياسي في صناعة الرأي العام وعلاقته أيضا بوسائل الإعلام ساهم فيها أصدقاء وزملاء من داخل مؤسسات الإعلام المتنوّعة ومحللين سياسيين من مشارب وخبرات مختلفة، هذا في حين انحصر اجتماع النصف الثاني من اليوم في مناقشة الوثائق المذكورة في إطار مغلق خاص بالهيئة الإدارية وهو ما كان يعالج تفاصيل البنود ولغة الوثيقة وبعض القضايا التفصيلية حيث انتهى إلى الكثير من التوافقات فضلا عن انتخاب أعضاء الهيئة الإدارية من بينهم رئيسا للرابطة خلال الفترة القادمة. وفي جملة النقاش الذي كان يتعلّق بالآراء والأفكار لم يكن هناك من الوقت الكافي لتحقيق القول في مشكلية الإعلام ودور المحلل السياسي ومن هو الخبير ومعضلة صناعة الرأي العام، وهنا سأحاول أن أعيد تنظيم مداخلاتي ومناقشاتي التي ساهمت بها في هذا النقاش الذي لم يكن الوقت كافيا لتعميق الفكرة وتحقيق البلغة، سواء في اللقاء العام أو في اجتماع الهيئة التأسيسية التي أصبحت بقوّة الواقع هي الهيئة الإدارية المعنية باتخاذ القرارات، وهو الوضع الذي فرض نقاشا عاما في قضايا تتطلّب تفصيلا دقيقا. وستكون مناسبة لتنسيق القول في دور المحلل السياسي ودور الإعلام عموما وبعض المشكلات التي تخصّ رسالة المحلل والخبير السياسي:

  1. المحلل السياسي ووسائل الإعلام

في أثناء مناقشتي لبعض الأفكار التي طرحت في مداخلة العديد من الباحثين حاولت التركيز على الحاجة المتبادلة بين المحلل السياسي والوسائط، لأنّ المحلل السياسي هنا ليس بالضرورة موظّفا في وسائل الإعلام بل قد يكون صاحب رأي ويمتلك خلفية (background) يتشّكل من أدوات التحليل وقاعدة معلومات تمكنه من المتابعة وتعزيز مضمون التحليل. الحاجة هنا متبادلة ولكنها ليست متكافئة لأسباب تكمن في اعتبارات خارجية وحسابات ميديولوجية باعتبار أنّ الإعلام لم يعد مجالا محايدا بل هو جبهة صراع مفتوح بتقنيات ناعمة. لكن بالجملة لا تستغني وسائل الإعلام عن المحلل السياسي ولا هذا الأخير بإمكانه أن ينقل رأيه من دون توسّل بتلك الوسائط. وفي صلب هذه الحاجة المتبادلة يكمن التدبير المختلّ للعلاقة، لأنّ سلطة وسائل الإعلام تُمارس بشكل أو بآخر على المحلل السياسي نفسه، قد يقال حينئذ أنّ الأمر تجاوز ما وصفه راموني بنهاية الصحفي بل إلى المدى الذي سنتحدّث فيه عن نهاية الخبير والمحلل السياسي.

وهنا أتساءل مرّة أخرى كيف تحوّلت الوسائط من تقنية عامة لتسهيل التواصل إلى علم ثم إلى أيديولوجيا وسيطرة..هل نحن بالفعل متواصلون وهل ما تقوم به وسائل الإعلام هو تواصل أم لا تواصل، أي شكل من ا”لبلوكاج” في المعنى وفي وسائل وصول المعلومة إلى المتلقّي؟ الحديث اليوم لا يقف عند سؤال التقنية بل يتعلّق بمفهوم التواصل وأيديولوجيا السيطرة والمهام الذي تقتضي تحرر المحلل السياسي نفسه من سلطة الوسائط، الأمر الذي يبدو في غاية الصعوبة. وهذه قضية لم يعد لها علاقة بالتقنية والإعلام بل وجب البحث عنها في الاقتصاد السياسي للمعلومة. إنّ المفاهيم هي الأخرى ليست مشكلة لأنّنا نعيش عصر التّضخّم الهائل في سوق المفاهيم، وغياب الجودة في تأسيس المفاهيم على مداميك فلسفية منتجة، بل اليوم وجب الانتقال من مسألة إنتاج المفاهيم إلى مرحلة إدارة المفاهيم، وفي هذه المرحلة لا تقلّ مهمة إدارة المصطلح عن مهمة إدارة الأزمات، لأنّ الجزء الأساسي من الأزمات يدور مدار المصطلح. تدخل الأيديولوجيا بقوة في الصناعة الإعلامية لأنّها وحدها تشد عصب المصالح، فأيديولوجيا الإعلام اليوم هي أيديولوجيا الاقتصاد السياسي بامتياز.

  1. الإيديولوجيا الإعلامية ومصائر الوعي

لا أريد الوقوف عند سؤال الموضوعية هنا مع أنّني استمعت كثيرا إلى هذا المفهوم وهو يمرّ بوصفه قضية رجاء وترجّي أو أحيانا بات شكلا من الإغواء بمفهوم فقد أهميته لأنّه بات إشكاليا بينما الإصرار على تداوله بلغة تبسيطية يجعل المهمّة صعبة. ولكن وجب التذكير بأنّ الموضوعية إشكالية كبرى في العمل الإعلامي، وأنه لا مجال لتفادي هذه المعضلة إلاّ بالتفكير بصوت عالي وإحداث ثورة في مجال الإعلام وهذا غير متيسّر الآن، لأنّ مقتضى المواجهة للمقاولة الإعلامية وفق أصول المعاملة الرأسمالية عموما هو الاستناد إلى القوة المفرطة للجيش الاحتياطي من العاطلين الذين يتوفرون على القابلية للإذعان لاشتراطات وسائل إعلام تمارس مهمتها الأيديو_إعلامية بتقنيات خداع تشبه عملية استغلال أخطاء بارالاكس في تموضع زاوية النظر أو وتيرة تعقّل الصورة والمعلومة بناء على جدل التناقض بين ما يسميه إغناسيو راموني بزمن المعلومة والزمن السياسي.

نتساءل أيضا : هل يا ترى الرأي العام مغفّل أم أنه ذكي؟ أعتقد انّ الرأي العام يعمل وفق قواعد الممانعة الطبيعية، وهي ممانعة ضد التقنية اليوم. ولذا فالكثير من الرأي العام يسقط في هذه المعركة لأنها توظّف مساحات اللاوعي لدى المتلقّي الذي يبدو مؤهّلا للمساهمة في الانزياح الموضوعي. بالنسبة إلى التدبير الأيديولوجي للمعلومة فهو هنا ليس بسيطا، بل هو فعل عقلي يستند إلى ما تحتله الأيديولوجيا من مكانة في الدّماغ: أي القابلية للزيف. إنّ القابلية للزيف تكمن في عمق الطبيعة التي يعمل على وفقها الدماغ الذي تأتيه الصور والأفكار معدّلة بأخطاء التموقع من الواقع أو مستوى قدرة الفاهمة على تحويل الإشارة إلى مفهوم دقيق. يساهم الإعلام الذي بات الكذب فيه ليس مسألة أخلاقية بل تقنية مهنية إلى اللّعب بمقدّرات الدماغ واحتلاله بأوهام تحمل صورة الواقع كأن الأمر يتعلق بإعادة تشكيل للواقع محرّف لكنه مقنع للرأي العام في فترة وجيزة هو ما يقتضيه الزمن السياسي لاستغلال معلومة ما. لا يهم فعل تكذيب المعلومات حين تستنفذ زمنها السياسي، الأمر يتعلّق باستعمال مؤقّت للمعلومة ولا يهمّ أن تظهر الحقيقة فيما بعد، هذا ما أصطلح عليه: المعلومة التي يمكن التّخلّص منها بعد الاستعمال (information jetable). لا يتعلق الأمر بغباء بل ببطؤ في تحقيق المعلومة تعززها الرغبة الجامحة في استهلاك المعلومة في زمن سياسي لا يلتقط الفراغات في عملية قذف الصور تماما كما هو الخداع البصري الطبيعي عند رؤية الأشياء، لكنه عاجز عن التقاط ما بين الصور وما بعد الصور نظرا لسرعة حركتها وفعل الإلهاء الذي تمارسه أيديولوجيا استهلاك الخبر. يتحدّث بودريار عن معيار جديد في أيديولوجيا الاستهلاك حيث تمثّل القمامة معيارا لقياس الموقع الاجتماعي للمستهلك: قلّ لي ماذا تستهلك أقول لك من أنت، وأعتقد أنّ هذا ينطبق أيضا على استهلاك المعلومة: المعلومة -القمامة(L’information poubelle).

  1. من هو المحلل السياسي الحقيقي؟

بالنسبة إلى المحلل السياسي أحبّ أن أصنفه للتصنيف النيتشي للفيلسوف: هناك محلل سياسي كادح وهناك محلل سياسي حقيقي، وقد أضيف صنفا ثالثا: المحلل السياسي المحتال، هذا الصّنف يهمّني كثيرا في هذا التقريب، لأنّه يمتلك قدرة على وضع اصطلاح على ما يروج في المجتمع ثم إعادته متلبّسا بالمفاهيم إلى الجمهور من باب : بضاعتكم ردّت إليكم. هذا الصنف لا يهتم بالتوعية ولكنه معني باستثمار المتداول من أفكار في رأي الجمهور ومنحها شرعية المفاهيم، وهو صنف تستهلكه وسائل الإعلام لأنّه غير مكلف ويؤمّن شكلا من الضجيج النظري وتكريس الإلتباس. لقد صنعت وسائل الإعلام محللين سياسيين من الطّراز المحتال، وهي تفتخر أنّها أنتجت وجوها جديدة في المشهد الإعلامي لكن وجب التمييز بين صناعة المحلل السياسي واكتشاف المحلل السياسي، ذلك لأنّ وسائل الإعلام إن هي سلكت إزاء المحلل السياسي ما تسلكه إزاء صناعة الرأي العام بوسائل الخداع الميديولوجي المتاح سنكون أمام أزمة شمولية. الصنف الكادح من المحلّلين يسعى لتنزيل أدواته على الحدث لإعادة صناعته وفق ما تتيحه له رؤيته الأداتية، لذا يقع في التكرار والجمود واعتماد فعل المراوغة باللغة الذي أسمّيه: الملاوغة. لقد أصبح التحليل السياسي رهين لملاوغات المحلل الكادح، بينما المحتال الذي يستهلك الحقائق التبسيطية للجمهور ويعيد حبكها بالاصطلاح السياسي فهو ظاهرة ترقى بصناعة الملاوغة إلى حدّ الزّيف المطلق.

أحد الزملاء ركّز على ضرورة التفريق بين وضعية الإعلام في المغرب العربي ووضعيته في المشرق العربي وأنه لا بدّ من التمييز بينهما. لكنني أعتقد أنّها إشكالية لا موضوع لها وقد تكون شكلا من البوليميك الذي يحبّ أن يستثمر البعد الجغرافي في إضافة إشكاليات جديدة لأزمة التواصل الإعلامي نحن في غنى عنها. ذلك لأنّني أعتقد أنّ أزمة الإعلام هي اليوم كونية، وما نقوله اليوم عن أزمة التواصل والهيمنة هو أمر يتعلق أيضا بالمشهد الإعلامي الغربي. التمييز على أساس أنّ هنا يوجد إعلام ممركز وهناك إعلام حرّ، لا موضوع له، لأنّ المدّعى له نصيب هنا وهناك، فضلا عن أنّ الحديث عن إعلام مستقل عي في حدّ ذاتها قضية متجاوزة، أي بتعبير آخر، مع الإعلام المستقل لسنا إلاّ أمام إعلام موجّه بطريقة أخرى، فالاستبداد بالإعلام قد يكون سياسيا وقد يكون اقتصاديا.

هذا دون أن نغفل أنّ وسائل الأعلام المستقلة إن صحّ التعبير في المغرب العربي هي مدينة لسياسة شراء الذّمم من الكتلة النفطية في المشرق. ومن هنا لا مجال للإخضاع إلى السياقات الجغرافية في لعبة الإعلام وسياسات بيع الذّمم لأنها باتت متعدّية الحدود.

يبدو المحلل السياسي المحتال الذي ينطّ من بين وسائل الإعلام المتناقضة الرسالة الإعلامية ويكيف خطابه وفق سياستها، بل والذي يكيّف تحليله وفق ما يتوقّع منه هو جزء من أزمة الصناعة الإعلامية اليوم. وهنا أحبّ أن ألفت النظر إلى سياسة الاختراق التي يقوم بها هذا النمط من المحللين الذين لا يتوفرون على الخبرة الحقيقية ولكنهم عبر تقنيات التواصل المختلّة يتسللون إلى وسائل إعلام الممانعة بطريقة ممنهجة بينما هم موصولون مع مراكز وجهات وسياسات رجعية في المنطقة. الأمثلة كثيرة وليس المقام مقام ذكر عيّنات لها. وهذه أخطاء يقع فيها الإعلام الذي يرى نفسه معنيّا بمقاومة الهيمنة الإعلامية الرجعية أو الغربية. المهزلة الكبرى هنا هي حينما تدقّق وسائل الإعلام في انتقاء المحلل السياسي المناسب لكنها تتراخى في انتقائه حينما يتعلّق الأمر ببلدان أجنبية عن بلد المركز، فلا يهمّ هنا أن تمنح فرصة للمحلل السياسي المحتال حيث تساهم في استكمال سياسة الحصار على المحلل السياسي الحقيقي وتصبح شاهد زور على هذا الاستنبات الطفيلي لخبراء مغشوشين.

ما زلنا نتحدث عن الموضوعية المطلقة والحقيقة المطلقة في الإعلام وهي الحقيقة التي يصعب تحقيقها في مجال التأمّل الفكري فكيف بالصناعة الإعلامية، مادام الجمهور له الرغبة في تقبّل المعلومة من دون إعمال نظر وغير معني بتكذيب الصورة والتمرد على سلطتها بالإضافة إلى غياب توازن بين القوى الإعلامية ، ستستمر هذه المعضلة ولن يحسن بعد ذلك الإعلام المقاوم للزّيف أن يفعل أكثر سوى المقاومة.

نحن في سياق لاتواصلي للإعلام، الخبر الذي أذاعته وكالة الفضاء الأمريكية(نازا) قبل أسابيع مفاده أنه بات بالإمكان أن يتواصل جمهور الأرض مع جماهير الكواكب الأخرى وينقلون لهم معلومات عن حياة الأرض وثقافتها وأن هذه القضية باتت ممكنة ومتاحة لعامة المواطنين. هنا يبدو أنّنا أمام هروب إلى الأمام. في غياب تواصل حقيقي بين أهل الأرض كيف نتحدّث عن فائض تواصلي يمكننا من مراسلة سائر الكواكب؟ هذا ما أسمّيه بالطّنز الأيديولوجي الذي يساهم في لعبة الإلهاء والتمويه على إفلاس كبير في وسائل وأيديولوجيا التواصل.

على هذا الأساس ماذا يعني الرأي العام في عالم مفتوح على مساحات هائلة من الوسائط الإعلامية التي تتنافس على تحقيق الإجماع على تزييف الواقع؟

  1. الإعلام ودور المثقّف

من ناحية أخرى كان الحديث عن تحكم وسائل الإعلام في المحلل السياسي الذي يشعر بأنه مضغوط تحت قهر الزمن ونوعية الخطاب، لكنني أؤكّد هنا أنّ المحلل السياسي بالمعنى الذي أعنيه من المحلل السياسي الذي له قدرة على التحليل وإنتاج الرؤية والتأثير على الرأي العام قد يجد نفسه مهانا داخل ستوديوهات وسائل الإعلام، ولذلك تفاصيل لسنا في واردها، ولكن ثمّة نوع من التحليل النفسي النازي الذي يستعمل تجاه المحلل السياسي الذي يبقى رهن لمستوى اختيارات الوسائط ووجهة نظرها في عملية انتقام المحللين إلى حدّ التكرار والاستهلاك والمساهمة في ظهور أمبراطورات التضليل والتسطيح الإعلامي واللعب على لغة التواصل المجردة عن المفاهيم، وهي عملية تجعل الجودة مسألة استهلاك وصناعة النجوم على حساب المضمون، ولعبة اللّوبيات في هذه الفوضى.

أحبّ هنا أن أؤكّد على مسألة الخوف من الاعتراف بتعقيد الواقع، لماذا نحن ضدّ العمق. التعقيد في النظر المواكب لتعقيد الواقع أمر ضروري ولكن يمكننا الحديث عن لغة التعبير الميسرة عن مخرجات النظرية. نعود إلى إدغار موران في التمييز بين المعقّد والتعقيد. أي الاعتراف بـ(complexus)، حيث بناء عليه يتمّ استغلال غير المفكّر فيه، وإخضاع الوعي لمغالطة التبسيط.

إنّ عملية تثقيف الإعلام مسألة أساسية. الإعلام حتى الآن بما أنه خاضع للعبة التواصل اللاّتواصلية فهو يستهين بالثقافة والمثقف، لذا فهو يبادر إلى صناعة بدائل ونجوم ثقافية ضحلة لتفادي هذه المعضلة مما يجعل وسائل الإعلام تسقط في استهلاك فاقد للجودة ويتّجه برسالة الإعلام إلى حيث إهانة المثقف.

أمّا انطباعاتي فهي كثيرة، كم يثيرني أولئك الذين يتحدّثون أمام مثقفين محترفين عن أفكار ومهارات كما لو أنهم عاقروها ولا قبل لغيرهم بها. يحصل هذا ببلادة تتكرّر وأحيانا تزعج العقل. قضية تكرار مفاهيم أنتجها الغير من دون أمانة الإحالة ، هي حيلة من حيل حاطبي ليل يستغبون المتلقي الذي من المفترض أن تكون له لوعة إن لم نقل احترافية في تتبع هسيس المفاهيم. الحسابات الغامضة في الانتقاء وأشكال التمييز غير المقنعة شكل آخر يجعل المهمّة الحضارية والإصلاحية للإعلام قضية مستفزة للمثقف، هذا الأخير يملك سلطة خاصة وهو قادر على أن يتفرّد في الكون الجماعي ويبني له عالما خاصّا وهو يمتلك سلطة فوق سائر المؤسسات وتمرّده يدخل في خانة الصعائب. إنّ الإعلام يعيش هو الآخر حالة من الاستبداد الذي ينعكس على جودة القول والفكر، بل ويساهم في لعبة التبسيط الذي يجعل العقل مستهلكا خارج واقع الكومبليكسوس. إنّ إقناع الجمهور بالزيف واعتباره مغني اللّبيب عن إقناع المثقف خطيئة في صلب العملية التواصلية. إنّ ثورة التواصل أنتجت فوضى لاتواصلية بل ساهمت في تلوّث البيئة الرمزية، وفي نهاية المطاف يصبح الإعلام بما هو صناعة للزّيف مساهما فعّالا في تدمير الثقافة وتقويض العمق الذي يتطلّبه تعقيد الواقع.

واليوم يتعين أن يتحلّى الإعلام المقاوم للزيف والتضليل بقدر من الاستيعاب لمعضلة علم الوسائط ومدى نفوذ الأيديولوجيا الزائفة وسلطة الصورة في الحياة العامّة. إنّنا في حاجة إلى ثورة في طرق الإقناع ووخز الدماغ باتجاه النباهة وسرعة البداهة في تحديد مكامن الكذب، وهي مهمّة تتطلّب الكثير من الفكر والكثير من العمل.

أؤكد على مسألة الاستهانة بالمثقف حين يكون عضويا بتعبير غرامشي، لقد سمعت في مناسبة سابقة أحد المحللين من النمط المحتال يتحدث بسلبية عن المثقف وكأن المثقّف غير معني بالسياسة، وهو بذلك أكّد على أنّه جاهل بمصير الوعي داخل لعبة الإعلام. نسي أنّ المثقف الحقيقي المعني بالمفاهيم هو الأكثر قدرة على تفكيك الخطاب، والأكثر قدرة على كشف الهشاشة، أقول: حين يتعلّق الأمر بالمثقف الحقيقي ليس الذي يردد مقولات متوفرة في سوق الإنشاء العام بل الذي يمتلك أدوات ومهارة في استعمال تلك الأدوات، أي المثقف المبدع. ما قيمة السياسة إذا لم تصبح مثقّفة، أليس المثقف هو الذي أسس علم السياسة؟ أليس أكثر النقوض للعبة الإعلام وأفضلها ما قام به الفيلسوف والمؤرخ واللغوي: تشومسكي وبورديو وأمبرتو إيكو وهابرماس ودوبريه وغيرهم؟ في أي كوكب يعيش أولئك الذين يعتقدون أنّ التّاريخ يتحرّك من دون المثقف أو أن يظل هذا الأخير تحت رحمة الفوضى السياسية؟ في الثقافة لا يمكن أن يحصل الخداع لأنّ المثقف يقوم بالرقابة الصارمة على مهنته، ولذا أهمية وضرورة النقذ المستدام، وحتى الآن وحده المثقف من يجرؤ على نقد وضعية الإعلام وهيمنة الميديولوجيا ومساهمتها الريادية في صناعة الزّيف. المثقف الحقيقي هو حارس المعنى ومكافح من أجل الحقيقة. بل المثقف هو أوّل ناقذ لواقع الإعلام وأزمته، أما محاولات الهيمنة على مشهد صناعة المثقفين كما تقوم به اليوم بعض المؤسسات الرجعية لأنها لا تريد أن تظل هناك مساحة حرّة للمثقف، أي محاربة المثقف بإنتاج موجة من المثقفين المزيفين وتمكينهم من محاصرة المثقف بالضجيج والتكرار، فهي صناعة فاسدة وعاجزة، لأنّ المؤسسة هي أضعف من المثقف الحقيقي حين يصبح في حالة تمرّد. أقصد زمجرة المثقف المجروح التي قد تطيح بالزّيف. مع كثرة الوسائط التي يوازيها ضيق في الاختيارات، لأنّها تتجه نحو الإجماع، الإجماع الذي يحاصر الخلاف: وحده كما في نظر ليوتار ونظرائه يحقق الإبداع. وهنا يكمن الخداع الآخر، افتعال الاختلاف وفق معايير تبسيطية، كالاتجاه المعاكس والرأي والرأي الآخر الذي يضعنا في حالة ما يسميه البعض صراع الديكة وبتعبير ليوتار هو شيء مختلف عن سوء التفاهم، بل هو نوع من النزاع الذي لا يفضي إلى حلذ عادل. هنا في صلب هذا الاختلاف الممسرح والمفرغ من المحتوى لا نمنح فرصة لظهور المعنى ولا لتنميته. والميديولوجيا – وفق اصطلاح دوبريه – تساهم في هذه الوضعية التناقضية: تواصل لا تواصلي. المثقّف ليس رهينة للوسائط، هذه الأخيرة التي يجب أن تنمو لتستوعب المثقف بدل أن تعاند في رتابتها وتحلّ مشكلة الجمود بالتعويض عن المثقف الحقيقي بالمثقف المغشوش الذي هو جزء من الأزمة ومؤثّث لمشهد الرداءة. نحن نلاحظ انقراض جيل من الرّواد وميلاد جيل الرّداءة. الإعلام حين يتجه اتجاه معاكسا للثقافة يصبح وسيلة تخليف بامتياز.

وعليه وجب أن نقيس جودة الإعلام بحجم حضور الثقافة والمثقف، أما إذا دخل في المسألة حساب ما يرضي الجمهور واللاّوعي فهذا يعني أن الإعلام ورسالته لم تعد شأنا للوعي، أي باتت مجرد خداع تقني ومتقن. إن الإعلام المقاوم للزّيف و الذي يستمدّ قوته من العمل التّطوّعي للمحلل السياسي ويمنح فرصة الوفاء للمبدئية وخطاب العقل يحتاج أن يقطع مع أساليب الماركوتين والنظرة الخاطئة للجمهور التي تقوم على تطبيق مغرض لنظرية التّلقي. إنّ الإعلام المقاوم للزيف معنيّ بالوعي، وهو حتما هاهنا ينطلق من واقع متلقّي أضيق، لأن مساحة الوعي أضيق، وهنا يصبح المطلوب إقحام الناس في دائرة الوعي بل واستعمال اللاّوعي وآلياته في خدمة الوعي أيضا. الخوف هنا من الرّدة في أساليب الإعلام المقاوم للزيف، لأنّ غايته نقيضة..وثورية..وإنسانية..وهي لا تحتاج إلى تقنيات للكذب بل تحتاج إلى تقنيات تبليغ الحقيقة وممارسة الصدق في الإخبار كسلطة لا يملكها الكذب الذي يتوسّل سلطة الصورة.

  1. عشر صور من المغالطة في السياسات الإعلامية

لن نتبع طرق التصنيف التقليدية للمغالطة بل نهتم بالصور المتداولة لها، بعض المغالطات تتمظهر في صور شتّى. وبما أن الأمثلة لا تعد ولا تحصى من صور المغالطة ، فالعبرة هنا بالأمثال ليس إلاّ. ويدخل فعل تشريح هذه المغالطات في تمكين المشاهد أو المستهلك للمادة الإعلامية من الوعي الضروري لتحصين نفسه من سطوة ديكتاتورية الإعلام.

  1. مغالطة التنميط أو مراكمة تبشيع الخصم

نتحدّث مرارا عن المغالطات التي تستند إليها وسائل الإعلام الموجّهة لتحريف الحقيقة وأساليبها في إعادة إنتاج الأحداث بالصورة التي تحدث فيها لدى المتلقّي تشويشا أو التباسا أو نوعا من الإلغاء الممنهج لقناعاته الطبيعية. وسأذكر بعضها تباعا في نوع من الحصر الاستقرائي. ولا غرو أنّ دراسة أنواع المغالطة هو السبيل الأيسر لتمكين الوعي من الممانعة ضدّ أشكال كي الوعي واحتواء الوعي. والمفهومان لهما دلالة دقيقة لا بدّ من الوقوف عندها مليّا. فأمّا مفهوم كيّ الوعي فهو نوع من المحو الكاسح للوعي بناء على صدمة تشبه الصاعقة التي تطفؤ الأنوار، يمكننا تشبيهها بالفورمتاج. صدمة الوعي بواقع يوحي بضرورة الاستسلام. مفهوم كي الوعي استعمله وزير الحرب موشيه يعلون،حين كان يشغل منصب رئيس أركان جيش الاحتلال إبان الانتفاضة الثانية. كان الغرض هو إصابة الوعي الفلسطيني بالشلل لكي لا يفكّر في محاولات جديدة من المواجهة. هذا المفهوم استعملته إسرائيل ليس مع الفلسطينيين فقط بل مع الدول العربية بحيث جعلت مجرّد التفكير في المواجهة قضية ممتنعة حتّى على الخيال. وكانت معركة تموز لحظة تاريخية ليس فقط على مستوى خلق مناعة ضدّ كي الوعي بل مارست كي الوعي المعكوس تجاه الرأي العام الإسرائيلي مما جعل المقاومة تحقق انتصارا ملفتا على صعيد الحرب النفسية. لكن ما أقصد به هنا احتواء الوعي هو استراتيجية مختلفة قصدت بها أنّ وسائل الإعلام في مثل هذه الحالة لا تسعى إلى محو الوعي وتغيير محتواه عن طريق الصدمة والعنف المفرط بل هو شكل من التغيير يقوم على التشويش على الوعي للتخفيف من ثقل قناعاته ووازعه المبدئي. الهدف هو زرع شكل من تساوي الأدلة في منطق الوعي وهو أمر من شأنه أن يفصل بين الوعي والموقف، لأنّ الوعي إذا داخله الإلتباس تراخى في الموقف. وهذه الطريقة تجعل الحامل الفردي أو الجمعي لهذا الوعي يدخل في جدل مع ذاته إلى حدّ الحيرة، ويحسب أنّ ما اهتدى إليه هو قناعة مبنية على التّأمل بينما هو شكل من الحرب الناعمة على الوعي ليس برسم كي الوعي بل بما اصطلحنا عليه احتواء الوعي. وأمّا المغالطة فهي أداة من أدوات احتواء الوعي ضمن مسار منطقي ينتهي بتحريف الوعي. وقد تنجح عملية احتواء الوعي إلى درجة قد تؤدّي إلى أسوأ أنواع العدمية.

سأتناول هنا مغالطة أسميها أيضا تيسيرا للمعنى بالتبشيع التراكمي، وهو شكل له نظائر في ممارسات العنف الرّمزي بين الخصوم والغاية منه إخفاء أي مكرمة للشّخص وإبداء الجوانب الأكثر سلبية. وهي أساليب غريزية وبدائية لكنها تمارس اليوم بتقنيات متطورة في وسائل الإعلام لغايات أبعد من الشكل البدائي الذي مورست به. جرى نقاش بين شيوخ الوهابية في معاركهم الطائفية حول ما سمّي عندهم بالموازنة والتجريح. وكان الاتجاه الغالب في نظرهم هو اتجاه التجريح أي أنّه ليس من المسموح به ذكر مكارم الشخص المجروح حتى لا يفتتن بمكارمه بل الاقتصار فقط على ما من شأنه أن ينفّر منه النّاس. وهم في الحقيقة يخشون من أن يستند المتلقّي على مكرمة واحدة لنقض الصورة التبشيعية لذلك ينسفون أمامه أي مرتكز للاستناد عليه ليصبح أمام تواطؤ صور تبشيعية موحّدة المضمون. وطبعا لإنجاه المهمة لابدّ من اعتماد أساليب بتر الحقائق من سياقاتها وإعادة تركيب الصور خارج شروطها الواقعية فضلا عن اختلاق الصور. وكان هذا النهج هو نهج ابن تيمية في مقارعاته لخصومه حتّى أنّه لم يحل عليهم في اقتباساته من آثارهم. تراكم فعل التبشيع الذي يمارس في وسائل الإعلام يوقفك عند حدّ يصبح المتلقّي غير قابل لأن يسمع أي مكرمة تذكر في حقّ من تمّ تجريحهم في وسائل الإعلام الموّجهة ظاهرا أو خفيا. لأنّ صانع الصورة النمطية التبشيعية المتراكمة يحدث في لاوعي المتلقي قناعة من نوع آخر تظهر في عدم تقبله لسماع أي شيء مخالف للصورة النمطية عن الشخص. قبل أيّام كان إعلامي يناقشني حول بعض الشخصيات، وهو غير ملتفت إلى أنّه ينطق بالمعلومات المتاحة في وسائل الإعلام التي لم يكن لها منافس أنذاك. وحين برّرت تهمتين اتهمت بهما تلك الشخصية في حملة التشويه، قفز محاوري ليقول: أنت الآن تجعل منه ملاكا، معصوما، لا يخطئ ووو كان محاوري أقل تطرّفا لكنه كان ضحية تراكم الفعل التبشيعي والتنميطي مما جعلني أكتشف السور المنيع الذي بناه حول وعيه لأنّه لا يريد أن يفرّط في صورة نمطية مزمنة آنس بها عقله حدّ القبول بها والاستسلام. وحينئذ قلت له: انت الآن نطّيت فوق مجموعة من المراحل لتنقلنا إلى حكم كلّي. نحن حتى الآن نقاشنا في قضايا وحالات جزئية وليس في أحكام كلّية. وهنا عرفت أنّ محاوري أمام نقضي للمعلومات الخاطئة الجزئية هرب إلى مغالطة الكلّي. قلت له أنت لم تتحمل أن أنقض تهمتين أو ثلاثة حول شخص ما، وتعتبر أن تكذيب تلك الدعايات كافيا لتجعل منه ملاكا. هذا في حين أنّ الشخص المقاوم إن هو جسّد قيمه واستمات فيها بإيمان واعتقاد فهو ليس فقط ملاكا بل من البشر من يتفوقون على الملائكة. أنا حتى الآن لم أنقض سوى تهمتين، فهل تصور شخص ما من دون هاتين التهمتين يرقى به إلى الملائكية والعصمة؟ ما هو تعريفك للملاك وما هو تعريفك للعصمة؟ أحيانا تكون في إطار الحجاج تعمل بأساليب العلاج النفسي، أو العلاج النفسي بالفكر. لأنّ مرضى الإعلام التضليلي يخضعون لتقنيات دقيقة تستعمل آليات الوعي واللاوعي في الإقناع. إنّ الإعلام إذا حاول الاستناد إلى تهمة واحدة ضد من يسعى إلى تنميطهم يمكن أن يفشل في تثبيت الصورة فيعمد على مراكمة التبشيع، لأن المتلقي المشبع بهذه الصور التبشيعية المتراكمة يعزّ عليه أن يتخلّى عنها كلّها فيصبح في نظره من غير المنطقي أن تقوم بفعل الكلام وحده بنسف كل هذه التهم، فإن قبل منك نسف واحدة فلن يقبل منك نسف باقي الصور لأنه يعتبرها شكلا من الاعتداء على ممتلكاته الخاصة، وكأنّك تريد أن تنهي النقاش ولم يبق معه شيء من تلك الممتلكات، وهي طريقة يستعملها الإعلام التضليلي المحترف استنادا إلى عقدة الثباتية والطّفالة، بل أحيانا يعتبر تصحيح الصورة إهانة لوعيه. ويكون لسان حاله: هل يا ترى كلّ هذه التهم والحقائق غير صحيحة، عجيب؟ وهنا تصبح الحقيقة في عناء لأنها مطالبة بنسف صور تضليلية أصبحت هي الأصل فيما يصبح التحقيق والتحقق عارضا ثانويا ومحاولة لتغيير واقع هو أصلا واقع افتراضي مفتعل استند إلى تقنيات احتواء الوعي ليصبح واقعا راسخ الجذور. طبّقت مغالطة مراكمة التبشيع ضدّ قادة وعلماء وشخصيات عامة أخرى. هناك مستند منطقي لنسف مغالطة مراكمة التبشيع، هو أنّه في الواقع لا يمكن أن يوجد كائن بشع مطلقا كما تصوره وسائل الإعلام التضليلية، فلنفتّش ونحقق في ما يحجبه الإعلام من مكارم الشخصيات الخاضعة لمغالطة التنميط لنكتشف إلى أي حدّ هي بليدة المغالطة إيّاها.

  1. مغالطة الحصر العقلي المغشوش

لا أحتاج إلى التذكير بأنّ العلاقة بين المنطق والإعلام هي من المتانة بمكان بحيث يصبح من الخطأ اعتبار أنّ الصناعة المنطقية أجنبية عن هذا الاختصاص. لنتذكّر أيضا أنّ المنطق معني بموضوع الإعلام بوصف هذا الأخير في أصل نشأته الوظيفية هو رسالة تواصلية. ووحده المنطق قادر على التمييز بين مستويات وطبقات التواصل باعتبار أنّ القسم الأكبر من مسببات أزمة التواصل هو المغالطة. وفي الإعلام يتم تكريس الأزمات بتقنيات محترفة من التغليط، بل حتى مفهوم المهنية خضع لهذا النوع من المغالطة بحيث يقصد منها توريّا(بالتاء= المقصود الحديث بلفظ يحمل معنى آخر تقصده ولا يقصده المتلقي) تقنية خداع المتلقّي من دون إحساسه بأنك تغالطه. القيمة الجديدة لهذا النوع من الأخلاق المهنية(professional ethics ) هو أن لا يشعر المتلقّي بأنّك تخدعه،أي أن المهنية لا تمنع من الخداع حين يكون بتقنيات ومهارات عالية، بل يصبح الخداع لا أخلاقيا حين لا يكون تقنيّا.

وهناك مغالطة أخرى تستند إليها الوسائط الوظيفية في احتواء الوعي هو ما يمكن التعبير عنه بمغالطة الحصر العقلي المغشوش. وقيد المغشوشية هنا ناظر في الانحراف الذي يصيب هذا المفهوم باعتباره مفهوما منطقيّا. ومعلوم أنّ المغالطة تعتمد صورة الصدق ومنطقه بينما هي في حقيقتها تخفي بناءها الهشّ وخداعها على مستوى المقدّمات المنطقية. فالمنطق في نظري ليس دائما عاصما للفكر من الخطأ بل هو أيضا مجال للاستغلال والخداع ولا يكاد يفطن لهذا النوع من الاستغلال إلاّ من تفنّن في هذه الصناعة وأحزر علما بكل أشكال المغالطة باعتبارها هي الشكل الأخطر في استغلال المنطق. ماذا يا ترى أقصد بمغالطة الحصر العقلي المغشوش؟

الحصر في المنطق إمّا استقرائي يقوم على تتبّع الحالات والعينات الكثيرة التي يحصل معها اليقين القائم على الإطمئنان أو حصرا عقليّا ثنائيا بين النّفي والإثبات، ناهيك عن صور أخرى للحصر يحدّدها المخاطِب في عدد محدّد حسب ما يقتضيه تعداد الأقسام والعيّنات أو النّقاط المناسبة كما يراها وهو حصر جعلي يبرره المخاطِب ويحصل في العادة حوله تسامح لأنّه في أسوأ الحالات لا يستوفي شروط كمال النظر كما هو شأن تحديد محاور النقاش في قضية ما. وكما لا يخفى فإنّ المغالطة تنطلق في العادة من مقدّمات خاطئة وصولا إلى استنتاجات خاطئة، لكن في الغالب فإنّ خطأ المقدّمات لا يظهر لغير الخبير بتتبّع وتحقيق المقدّمات الصحيحة للاستدلال الصحيح، بل إذا كانت المغالطة تحضر في التخاطب غالبا بصورة عفوية قد لا يلقي المخاطِب لها بالا، ويكون المخاطِب كالمخاطَب كلاهما ضحيّة فساد المقدّمات وبالتالي فساد القياس الذي تقوم عليه المغالطة ففي مجال السياسة الإعلامية الموجّهة هناك وعي بخطوات الاستدلال باعتبار أنّ الإعلام يباشر مهمّته الحجاجية وفق مقدّمات فاسدة قد يلعب فيها الخداع البصري دورا أساسيا، حيث تكون المقدمة التي تستند إلى تقنية الخداع البصري هي نفسها مقدّمة فاسدة تنتهي باستنتاج غير صحيح. فالخداع في الحجاج الميديولوجي يستعمل مقدّمات تركيبية من القول والسمع والصورة، ويكفي أن تكون واحدة من هذه المستويات مشوبة بالخداع لتفسد البوصة برمّتها لأنّها تنقل الفكرة في تواطؤ الصوت والصورة في آن معا. صورة من هذه المغالطة تكمن في أن نحرّف صورة الحصر نفسها من حصر استقرائي إلى حصر عقلي، وذلك بأنّ نكون أمام حالات متعددة لكن تعمل السياسة الإعلامية من خلال لعبة الاختزال وهي في حدّ ذاتها مغالطة تؤازر مغالطة الحصر المغشوش، بل إنّ مغالطة الاختزال التي سنتحدّث عنها هي جوهر مغالطة الحصر المغشوش، تنتهي بتحويل صورة الحصرين نحو بعضهما بحسب سياقات ولعبة الإقناع، أي أنّه أحيانا يقتضي الأمر أن نختزل الحالات في حالتي نفي وإثبات وتارة نلجأ إلى مغالطة اختلاق الحالات المغشوشة وهو مقابل الاختزال لنجعل من الحصر العقلي حصرا استقرائيا مغشوشا. وفي المثال الأوّل – مثال مغالطة الاختزال_ يفرض الوسيط الإعلامي على المحلل السياسي أن يجيب عن قضية تتطلّب تعداد حالات الحصر الاستقرائي بنعم أم لا، والمبرّر دائما هو أمران صورتهما:

– نحن لا نريد الخروج عن الموضوع، أجب: نعم أم لا

– نحن مضغوطون بالوقت، أجب: نعم أم لا

تدخل سلطة الزّمن في إيقاف تعداد الحالات ويجد المحلل نفسه أمام حصار حقيقي لا يمكن الخروج منه إلاّ بالاستسلام لمغالطة الاختزال وتحويل الحصر الاستقرائي إلى حصر عقلي.

وفي المثال الثّاني – مثال مغالطة توليد الحالات المغشوشة – يمارس الوسيط الإعلامي على المحلّل السياسي مغالطة رجل القشّ، بحيث يمارس شكلا من الهجوم على طريقته الحصرية باستعمال تهما ضدّ المحلل السياسي مثل: اتهامه بالاختزال والنزعة المتطرّفة ومحدودية الأفق والإرهاب الفكري والمبرر هو أمران:

– أنت تفرض رأيا محدودا على قضية لها أكثر من وجه ورأي، نحن ضدّ دكتاتورية الخطاب

– دعنا نستمع إلى آراء أخرى، نحن نعيش عصر الديمقراطية وعلى النّقاش أن يستمر

في العادة يلجأ الوسيط الإعلامي إلى اعتماد آراء فاقدة للمتانة المنطقية وربما استعان بآراء من الجمهور اعتمادا على الميكرو-طروطوار، أي اختلاط العلم بالجهل لتمييع الحقيقة وكسر سطوة المتانة المنطقية للاستدلال.

في الحصر العقلي يجد الوسيط الإعلامي مراده حينما يحبك روبورتاجا أو يخطط إلى رسالة إعلامية ما. مغالطة الاختزال هنا تقوم على حصر القضية في عيّنتين يوحي بهما برنامج الاتجاه المعاكس. هذا البرنامج يعكس استراتيجيا ميديولوجية تفرض على المتلقّي صورة لحجاج ثنائي يوحي تحت ضغط الصراع الصوتي والحركات الممسرحة إلى الإيحاء بأنّنا أمام رأيين وبالتالي بين حالة نفي وإثبات، بينما يغيب الرأي الثالث أو الحالات الأخرى. في الغالب ينتهي الحصر العقلي بنتيجة هي بخلاف الاستقرائي ، لكن حينما يتحوّل الحصر الاستقرائي إلى عقلي بإسناد من مغالطة الاختزال يصبح مثل حكم الحصر الاستقرائي خاوي الوفاض.

لمغالطة الحصر العقلي المغشوش صور كثيرة ومستويات متعدّدة، وعلى سبيل المثال يتمّ محاصرة المتلقّي في نموذجين أحدهما سيّئ والآخر أسوأ. وبالفعل تكون الوضعية هي وضعية نفي أم إثبات، أي ديكتاتورية الاختيار بينهما على نحو حصري ووجودي، مثلا يفرض الإعلام على المتلقي أن يختار بين: الإخوان أو القاعدة..بين داعش أو النّصرة..بين القرضاوي أو العرعور..بين الزرقاوي أو عزمي بشارة..بينما يظهر في الإعلام بوصفه حصرا عقليّا لكنه في الحقيقة ليس كذلك، لأنّ الحقيقة في الواقع لها طريق ثالث وحلول سياسية متنوعة واختيارات شتّى بل نحن هنا في الأصل أمام خداع يستند إلى الإلهاء البصري إلى حدّ القبول بفكرة أنّه ليس في الإمكان أبدع مما كان، بينما الحقيقة أنّ كليهما (السيّئ والأسوأ) هما من إنتاج الإعلام نفسه، ونجوميتهما مصطنعة، وكلاهما ينتميان لذات الأنظومة الجيوستراتيجية..وهي من التقنيات التي تستعمل حتى في الماركوتين بناء على سياسات احتكارية تفرض على المستهلك أن يختار بين أمرين أحلاهما مرّ..تنقلب صورة المغالطة ويصبح الإعلام المغالط بصدد تبرير فكرة أنّ الأمر لا يمكن أن يحصر بين نفي وإثبات أو بين أمرين وجوديين،وذلك نضرب له مثالا فيما جرى خلال سنوات من الحرب الميديولوجية الطاحنة بين محور الممانعة ومحور التّبعية. المحور الأخير اهتدى إلى تصوير مغشوش لموقف الممانعة معتبرين إياها تفرض خيارا بين الإستبداد والقضية الفلسطينية..ثم جاء الجواب على أنّه ليس من الضروري أن نفرّط في الديمقراطية من أجل أن نحرر فلسطين، لماذا لا نكرّس الديمقراطية أوّلا ثم نحرّر فلسطين..وطبعا كان هذا ضرب من الحجاج نبت في أروقة الرّجعية التي لا تملك دساتير تتبع ولا برلمانات تسمح فيها للنّقاش وسنّ القوانين ولا صناديق اقتراع..وطبعا هناك الكثير من صور التبرير التي تتيحها المديولوجيا، لكن هذه المغالطة تخفي الكثير من العوامل التي تحيلنا في نهاية المطاف إلى مفارقة كذّاب كريت: أي أنّ تصديق أمر ما يستند إلى تكذيبه والعكس، إذا صدق كذب وإذا كذب صدق. هنا تُحجب الوجوه الأخرى للحقيقة، حيث أنّ قضية الديمقراطية لها أسس في الاقتصاد السياسي وهي مرهونة لمصير السيادة والتحكم في مجال السياسات الإقليمية والدولية: وضع الدولة الوطنية داخل المجتمع الدولي، قضية الاختلال، دور الإمبريالية في مقايضة الديمقراطية بالاقتصاد، وقضايا كثيرة. وفي نهاية المطاف وجدنا أنّ المافحين عن هذه المغالطة خضعوا لمساومات واشتراطات فقدوا معها كلّ بكارتهم السياسية والمبدئية والاستراتيجية..إنّها المغالطة التي جعلت الحراكات العربية تنتهي إلى خراب أعاد المنطقة إلى عهد ما قبل الدّولة في حين ازدهر التّطرف وانهدم المعمار القيمي وهيمنة الهشاشة، وكلّ هذا لأنهم قبلوا يوما بمغالطة الاختزال ونقيضها، وكانوا ضحايا لسياسات إعلامية تجيد فنّ الاستحمار..

  1. مغالطة المصدر أو المرجع

نُذكّر تباعا بأنّ المغالطة في جوهرها هي صور متجلّية لحقيقة واحدة ألا وهي فساد تدبير العلاقة بين مقدّمات الاستدلال وونتائجه، أو لنقل هو خلّل يعيه المخاطب أو لا يعيه في بنية الاستدلال قوامه قياس فاسد واستنتاج خاطئ.. وعليه نؤكّد أيضا على أنّ المغالطة من حيث هي حقيقة واحدة ذات تجلّيات متعددة قد تظهر ليس كمغالطة واحدة بل صور منها هو ما يعتبره البعض أنواعا لها. وسوف تصادفون هنا الكثير من الإحالات على بعض أنواعها ولكن في الحقيقة هناك تجليّات لصور المغالطة يسند كل وجه منها الوجه الآخر لأنّ المغالطة في نهاية المطاف هي ملّة واحدة. وأذكر أيضا بأنّ إحصائي لوجوه المغالطة لا ينتمي إلى أي حصر استقرائي لأنّني مقتنع بأنّ المغالطة حقيقة واحدة بوجوه متعدّدة لا حصر لها، ومن هنا أتحدّث عن أنواعها لكن هو تعبير متسامح ، لأنّ المعنى هنا هو وجوهها ليس إلاّ. كما أنّني قد أتوافق مع بعض ما اصطلح عليه المناطقة من أنواعها ولكن قد أتحدث عنها بشكل مختلف وتخريج متنوّع ورصد لحالات جديدة ناشئة من الملاحظة والتجربة.

وهنا سأتناول باختصار وجه آخر للمغالطة في السياسة الإعلامية المتخصّصة في التضليل كما لاحظنا في إعلام الإمبريالية وحلفائها الرجعيين. هذه المرّة يتعلّق الأمر بما يمكن أن نسميه بمغالطة المرجع. وهي مغالطة لها صور متعدّدة أيضا، وتستند إلى وجوه أخرى من المغالطة كمغالطة السلطة.

تندمج صورة مغالطة المرجع مع مغالطة السلطة في التخاطب في موارد الحجاج، فيلجأ المغالط بوعي أو بغير وعي إلى التذكير باستناده إلى مراجع ومصادر خاصّة ودقيقة، مما يضطر الخصم أن يتراجع في موارد الحجاج. أمّا وسائل الإعلام فهي لا تكتفي بالبحث عن مصادر المعلومة من مظانها الحقيقية بل تلجأ إلى إنتاج وقائع جديدة من وحي الصورة التي تعيد إنتاجها تقنيا، بل أبعد من ذلك فهي تنتج مصادرها الخاصة. عملية إنتاج مصادر المعلومة وتمكينهم من خلال لعبة إنتاج النجوم لغايات معيّنة هو نفسه يمنح فرصة لهؤلاء النجوم من أن يتحوّلوا إلى خبراء ومصادر للمعلومة والتحليل بناء على معطيات مغشوشة. تقوم مغالطة المراجع المغشوشة على لعبة صناعة الخبراء في وسائل إعلام وإنتاج قبيلة وشلل محدّدة ذات مواصفات تمليها السياسات والمصالح.

من صور مغالطة المرجع أو المصدر هو اعتماد سلطة التكرار وتدوير المعلومات وإكسابها شهرة توحي بالتّواتر بينما مصدرها واحد. تدور المعلومة التي سبق وسميتها المعلومة- النفاية، وتماما كما هو فعل تدوير زبالة – العبارة لزميل من قلب الصناعة الإعلامية – وتظل في غياب تحقيق منافس هي المعلومة المرجعية التي تنهض عليها أشكال التحليل السياسي المغشوش. تسقط المعلومة يتيمة بلا أب في مشهد غافل، غير أنّ فعل التكرار ينتهي بها إلى احتلال مقام المعلومة – المرجعية. مع وجود جيش من الإعلاميين الذين يقعون بدورهم في فخ هذا التدوير المغالط للمعلومة يساهمون من حيث لا يدرون في تكريسها على أنّها حقيقة. وفي الغالب يحشر التحليل السياسي المناهض لهذه المغالطة في زاوية الدّفاع اللاّنهائي ومن دون جدوى. أمّا الإعلاميون ضحايا المغالطة إيّاها فهم يبررون أنّ الأمر مادام مطروحا في المشهد على هذا النحو فلا بدّ من إثارته ومناقشته، فالإعلامي هنا يهتم بالمتداول ولا يهتم بالتحقيق، أمّا صانع المغالطة فقد يختفي من المشهد وربما عاد ووثّق أكذوبته بأثر رجعي من خلال فعل التداول المغشوش. في مثل هذه الحالات يكتفي صاحب المغالطة بكل الإشاعات والمعلومات ويكون همّ الصحفي لا سيما الفاشل أن يحشّد من هذا اللّون من معلومات-زبالة، ويمنحها شيئا من بوازير الإنشاء لحجب يتم المعلومة بمزيد من الإثارة. أكثر المعلومات التي يتم تداولها في الصحافة اليوم وتناقلها هي ذات مصدر مجهول أو أحمق أو مغرض أو بليد ولكنها تكتسب قوتها من سلطة التداول بفضل وسائل إعلام متحكّم فيها ولا تسمح حتى بتدارك الخطأ وإحباط المغالطة. في بيئة تفسح المجال لتيّار من المعلومات التي تخدم اتجاهات معيّنة والمنع الممنهج لاتجاه يسعى لبيان الحقيقة ستكون المعركة بين الحقيقة والزّيف غير متكافئة. هنا تكون الوسائط في خدمة الزّيف.

تعمل الوسائط على النّفخ في عدد من المحللين الذين يعتلون منابرها ثم سرعان ما يفوزون بلقب الخبير ليصبحوا بعد ذلك مصادر إخبار وتحليل. ويكثر لدى هؤلاء ادعاءات عادة ما تنطلي على الجمهور بأنهم ينطلقون من معطيات دقيقة وموصولين بمصادر خاصة. وبهذه المزاعم تستمر مسرحية خبراء أشبه بنصّابين يخدعون الرأي العام ويضللونه وفق مغالطة المصدر أو المرجع. الأمثلة هنا لا تعد ولا تحصى، وتتكرر في كلّ الساحات. وبما أنّ المتلقّي لا يميّز بين مصادر موثوقة بمعايير الجودة العلمية وبين مصادر الرّصيف والمجالس الغوغائية التي تنتج فيها الأكاذيب أو المعلومات المشبوهة التي تضخها جهات معيّنة لها خلفية صراعية، أي ما أسميه بالصحفي_المرتزق أو الصحقي -المافيوزي الذي يساهم في فوضى المعلومات وخرق أخلاقيات المهنة، حيث في مثل هذه الحالة ليس بالمستطاع أن يوجد من يوقف هذا النزيف سوى الصحفي المناضل والمهني الذي وحده يملك أساليب دحض المغالطة بالوسائل المديولوجية المتاحة. وكما أنّ وسائل الإعلام تصنع مصادرها من خلال صناعة قادة وخبراء مغشوشين وتمكينهم من وسائل الإعلام وخلع الألقاب في محاولة لتمييع المشهد، فإنّ واحدة من أكبر وجوه الخداع هو إنشاء مراكز أبحاث ودراسات معنية بإعداد تقارير يقف خلفها تيارات معيّنة، هذه الأخيرة تقدم تقارير عن نفسها وفق الصورة التي تريدها لنفسها ثم تصدر هذه التقارير وتشيعها في مواقع مختلفة، وهكذا مع تراكم نشاطاتها تصبح هي نفسها مصادر يستند إليها الباحثون والمحللون باعتبارها وثائق وتقارير ومصادر معلومات. يأتي الصحفي والصحيفة وتحيل على التقارير إياها التي أنتجها زملاءهم في ذات المنظومة، وهكذا ينتج الإعلام مصادره التي سيعتمدها فيما بعد.

قد لا يبدو المحلل المغشوش معنيّا بالحقيقة، لأنّه اختار التموضع في الإلتباس، فمع تكاثر عدد الصحفيين وبروز حالة التنافس وغياب فرص للشغل تقوم المقاولة باستغلال الجيش الاحتياطي منهم، ومن هنا يصبح الصحفي هو نفسه ضحية هذا الوضع إن لم يكن هو نفسه من الانتهازيين الذين يستغلون المهنة في تحريف الواقع لصالح الجهات التي تستعملهم. في تجربتي مع هذا النوع من الصحفيين، لاحظّت أنّهم أشبه بمجموعات فاشية تهدف إلى الإطاحة بشخصيات لأهداف غامضة، بل أي تحليل تفسي لسيرتهم تجدهم في وضعية انتقام من المجتمع ومن المهنة وأحيانا يسعون للتآمر حتى على زملائهم في المهنة.

وبما أنّ الوعي بأهمية المصدر ازدادت مع تطور مهنة الإعلام فإنه بات هناك اهتمام كبير فتح المجال لبعض المتطفّلين لكي يلعبوا دور المصدر حيث يكفيهم أن يخلقوا أقاصيص وهمية وخيالية مع بعض الحقائق المتاحة، وهي ظاهرة تروج في ساحات عديدة، تظهر فيها عينات من أهل النصب والاحتيال في مجال المعلومة، وهكذا يوقع هؤلاء الكثير من ضحاياهم من داخل مهنة الإعلام في شباكهم..الهوس في جلب أقصى عدد ممكن من الأخبار يساهم في تراخي الواجب في التّحقق لا سيما في غياب الرقيب طالما لا يوجد قانون يستطيع أن يقضي على مغالطات الإعلام المضلّل إلاّ الإعلام نفسه بالطرق الإعلامية النضالية لحماية جودة المعلومة وتحصين رسالة الإعلام من الاستعمال والاستغلال.

تطورت وسائل الإعلام لكن في غياب قوانين صارمة لتنظيم المهنة والمحاسبة حيث واحدة من أكبر المغالطات التي يتهرب من خلالها الإعلامي التضليلي من مسؤولياته وغياب القسم الذي يضارع قسم أبيقراط في الطب، هي مغالطة السلطة الرّابعة، وهي أمّ المغالطات في الصناعة الإعلامية التضليلية اليوم، وهو ما سنفرد له كلاما خاصا فيما بعد..

  1. مغالطة الواقع المغشوش

لم يسبق أن صنفّت هذه الظاهرة في باب المغالطة المنطقية مع أنّها الأكثر شيوعا والأخطر من سائر صور ووجوه المغالطة . سيساهم الواقع الافتراضي أي الواقع المعاد إنتاجه وفق منطق الصّورة للإجهاز على الواقع، ذلك الواقع الذي يبدو أكثر بطؤا وأكثر صلابة من أن يخضع للخداع، ومن هنا فإنّ مغالطة الواقع المغشوش في مجال السياسة الإعلامية المغالطة تقتضي إعادة تشكيل الواقع والمساهمة في الرّداءة باعتبارها شرطا في تدجين الواقع وسرعة التّحكّم به. وهنا تكمن إحدى أخطر السياسات التي يساهم فيها الإعلام باعتباره يملك القدرة على تطويع الصورة واللعب بمضمون الخبر. وكما أكدنا سابقا فإنّ وظيفة الإعلام في زمن التّحكم والهيمنة في الرأي العام لا تقف عند إنتاج وتداول الإشاعة والتضليل بل تذهب حدّ تغيير بنية الواقع من خلال اختلاق عالم موازي له بل مهيمن عليه وتابع له: واقع افتراضي يسهل العبور من خلاله إلى واقع يبدو أكثر بيروقراطية في تقبّل الوجوه الغريبة. ستلعب أيضا الثورة الرقمية والمعلوماتية دورا كبيرا في الانقلاب على نظام الواقع وجعله تابعا لقرارات الواقع الافتراضي البديل. تحوّل الواقع الافتراضي إلى مزرعة لكبرى أشكال المغالطة وإلى ساحة لصناعة الزّيف. وسوف تصبح وسائل التواصل الاجتماعي في حلّ من واجب التحقق من المعلومات وفي حلّ من امتلاك أدوات التحليل بحجّة موت الصحفي وتحول كلّ مواطن إلى مساهم في نقل المعلومة. هذه الفوضى التي تبدو عارمة هي كذلك في عيون مستهلكي الواقع الافتراضي الجديد، بينما القوة المتحكّمة في لعبة الخداع البصري متحكّمة في دواليب الفوضى ومدركة لتفاصيل اللعبة ونهاياتها.ففي قلب الفوضى الخلاّقة للمعلومة هناك خيط ناظم يسوس الزّيف سياسة ويضع للفوضى منهاجا خفيّا تسلك عليه باتجاه وعي المتلقّي الذي يبدو في حالة دهشة وزهو، وهو في كل هذه اللعبة لا يتجاوز دور الضحية الذي يخرج من حالة استغلال إلى أخرى.

مغالطة الواقع المغشوش هي حينما يجد بعض المحللين الفاشلين في الواقع مرادهم في العالم الافتراضي، حيث تنتهك الحدود وتلغى الفوارق الموضوعية التي يفرضها الواقع فيفتعلون جدلا فارغا ثم يعود الإعلام ليقتبس من داخل هذا الجدل الافتراضي الذي يتحوّل إلى مغالطة المصدر التي تحدّثنا عنها، أي إنتاج الخبر من داخل العالم الافتراضي ثم تحوّله هناك إلى مصدر تنقله الصحافة ثم يسقط على الواقع بأساليب تبسيطية لكنها تفعل فعلها لدى متلقّي غير قادر على فهم مسار بناء هذه الحقيقة الزائفة. هنا نجد أن مغالطة الواقع المغشوش تستند إلى مغالطة المصدر في هذا المستوى من التّضليل. يستطيع أي نصّاب في المشهد الإعلامي أن يثير قضية ما في وسائل التواصل الاجتماعي ثم يعود لتثبيتها في الواقع بوسائل الخداع: الخداع هنا ليس فقط يتعلق بالصورة أو جدلية الانتقال من الافتراضي إلى الواقعي بل خداع وسائل الإعلام نفسها من خلال تسامح هذه الوسائط في المضمون والتركيز على الشّكل والإثارة. وكان من المفترض أن يكون الممشى الطبيعي للحقيقة من الواقعي إلى الافتراضي لمزيد من متعة الخيال، لكن المغالطة هنا تجعل مسار الحقيقة ينتقل من الافتراضي إلى الواقعي. إنّ قيمة الافتراضي هي حينما يكون امتدادا للواقع وليس بديلا عنه، أو يكون الواقع امتدادا للافتراضي فتلك هي الكارثة العظمى. وهنا وجب التذكير أن الافتراضي هو ليس المفترض أو الفرضي لأنّ هذه قضية علمية لها علاقة بتحقيق الواقع، بل الافتراضي هنا هو هروب من الواقع وخداع ومراوغة بل هو المزاج المدجّج بتقنية سحرية، تصوّر لو أنّ تافها امتلك ناصية التقنية، أي مصير للجودة ستبقى في عالمنا؟. تصنع الوجوه المغشوشة وتثار القضايا المفتعلة في العالم الافتراضي ثم تنحدر كلعنة عبر الوسائط الإعلامية إلى الواقع. لقد أصبح الواقع خاضعا في كل تفاصيله للخداع الافتراضي. وهكذا أصبح الواقع في حدّ ذاته مشكلة لدى الوسائط الإعلامية لأنّ الواقع مثقل بشروط وتطلّبات الموضوعية، والمروءة، والتّحقق، وحفظ المسافات والتمييز بين السياقات والأزمنة والأهم من كلذ ذلك أنّ الواقع مثقل بشروط موصولة بالضمير والرقابة والحياء، وكلّها مفقودة في المزرعة الافتراضية..فالواقع هو عدوّ المغالطة ومقبرتها لذلك يلجأ الإعلام التضليلي، وهو تضليلي بالسياسات التي تقف خلفه والأنماط من الإعلاميين الذي يؤثرون استغلال المهنة بدل القيام بها على أساس الضمير المهني، وهكذا لاحظنا في أزمنة الزيف هروبا يكاد يكون جماعيا نحو الافتراضي، مما يؤكّد أنّ الحاجة إلى المعلومة تجاوزت الحاجة إلى التحقق منها: المعلومة من دون شرط الحقيقة، المهم هو تأمين الوفرة في الاستهلاك والاستمتاع بالخبر الذي يجد من يبلغ به إلى قلب الشّبكة. حالة مزرية تقوّض مشروعية الواقع وتملأ دنيا النّاس بصور مغشوشة وافتراضية يجد فيها أهل التضليل والإلتباس خير وسيلة للطّنز الافتراضي على المتلقّي. تستطيع أن تلاحظ على مساحة البرية الافتراضية نطّات وتحوّلات أسطورية لكائنات تصنع لنفسها لونا بين عشية وضحاها، ثم تخلع جلدها القديم حين لا يبدو لها مناسبا، فالافتراضي هو ليس عالما يعفيك من مسؤولية التّحقق والتحقيق فحسب بل هو أيضا مجال أو مزرعة للجبن، أي يمنح الجبناء وسيلة للطغيان الافتراضي من بعيد، أي إدارة معركة الخداع من داخل غرف النّوم.

وكما ذكرنا بأنّ لا أحد يملك أن يوقف هذا السيل العارم من الخداع بناء على مغالطة الواقع المغشوش ما دام لم يوجد تيّار إعلام مناهض للزّيف متتبّع لكل أساليب الخداع الافتراضي. فهذه المغالطة تقوم على خدعة الحضور، حيث لا أهمية لمضمون ونوعية الحضور، ذلك لأنّه رسخ في جبلّة البشر أنّ الحضور هو مساوق للوجود، والخير، والمشروعية. تفتح وسائل الإعلام الباب على مصراعيه أمام هذا النّمط المغشوش وتغلق الباب على الغير وفق معايير غامضة لكنها عند الخبير باستراتيجيا استعمال الميديا هي واضحة. التّلفزيون في البيئة الميديولوجية الرجعية هو مفتوح أمام المرتزقة والمتعاونين الموصولين بأجندة محدّدة، لا سيما حين يتكرّرون في غياب الرموز الحقيقية والمثقّف الحقيقي. وعادة هم ضعفاء تعمل سلطة التوظيف على احتوائهم بناء على علم نفس أدلر ومركّب حقارة. سوق المعلومة يفرض أن يتواجد اختصاصان هاهنا يتبادلان محصول الخبر وأحيانا إعادة إنتاجه. والإعلامي المرتزق شأنه شأن المحارب المرتزق وككل مساحات وأنواع المهام التي يقوم بها المرتزق هو مناهض للحقيقة ولا يمكن أن يعيش إلاّ داخل الإلتباس. هنا يصبح الهدف ليس إيصال المعلومة والرأي بل إعادة صياغة الواقع وتحريفه وبلبلة الوعي: مهمّة الإعلامي/المظروف، أي الذي يعمل تحت ضغط “الظرف” والمال، وهو هنا مستعدّ للاغتيال الحقيقة لأنّ سهرة من الشامبانيا تنتظره عند المساء، بعد أن يدخل في دورة استهلاك لن يؤمّنها له مردود المهنية. تتعرّض البيئة الإعلامية فضلا عن حالة التطفّل القصوى إلى الانتهازية والرداءة، لقد بات مجالا لمافيا التحريف والتحكم في صناعة الرأي العام. يقول بعضهم:

– لا تهمّني الحقيقة أو مدى صحة الخبر، يهمني أن أبيع أكبر عدد من الجريدة

ـ لا يهمّني الضمير المهني، أنا أريد ان أعيش

ـ لا أأبه بالمجتمع فهو قطيع وعليّ أن أقدّم له أي شيء حتى لو كان فاسدا

ـ عن أي ضمير مهني تتحدّث، وهؤلاء كلّهم بلا ضمير

ـ لا يوجد إعلام نظيف، فلماذا أكون نظيفا؟

ـ أنا أريد أن أؤمّن لنفسي شرابا يوميا وسهرة أسبوعية ودفع ثمن أقساط البيت

ـ أنا جزء من هذا الواقع الرديئ، أنا لست نبيّا

وإذا كان هذا الصنف يملك على الأقل ملكت التعبير عن انحطاطه فإنّ قسما آخر يفضّل المزايدة بالمبدأ ويقدم نفسه بوصفه مناضلا وحرّا. وهناك تواطؤ بين هذا الصنف من الإعلامي/المظروف وبين خبراء مغشوشين امتلأ به المشهد، حيث لم يعد هناك بالإمكان إحاطة هذه الرداءة بكساء خادع من الأضواء بل بلغ الهوس والسباق إلى حدّ تجريد الرداءة من قناعها وأضوائها، لتصبح رداءة وقحة تؤدّي إلى حالة من النفور والقرف.

تحاول مغالطة الواقع المغشوش الاستناد إلى خدعة الحضور الذي يأخذ طابعا ممسرحا يحوّل الواقع إلى خداع وتمسرح مستدام فاقد للمضمون الجدّي في المعنى والموقف. إنّ التّآمر على الواقع جزء من لعبة الميديا المتحكّم في أدواتها وسياساتها. ولا يمكن للإمبريالية وقوى الرجعية أن تحقق هيمنتها على الجمهور من دون خداع للوعي عبر تصدير واقع افتراضي بل واحتلال الواقع بالزيف. إنّ المتلقّي المعاصر هو ضحية خداع ميديولوجي يرهن وجوده لهذا النوع من الاستهلاك المفرط للزّيف، حتى الواقع ورموزه مدين للعبة الخداع البصري والافتراضي. إنّها صناعة الرداءة التي تتورّط فيها الوسائط وربما وعن طريق العدوى ينتقل الزّيف إلى وسائل إعلام تبدو أكثر ممانعة لكنها تقع في فخ الإعلام المضلّل. إنّ للمغالطة آثارا وعدوى في المشهد. تؤمّن مغالطة الواقع المغشوش تهريبا ممنهجا للواقع بكل ما يحبل به من اشتراطات، كالموضوعية أو الحدّ الأدنى منها والمروءة والحياء والمصداقية والتحقّق. إنّه أشبه بأحلام يقظة أحمق تفرض بوسائل الإتصال على وعي الجمهور وتصبح واقعا يجد صلابته في العناد الافتراضي الملوّن والخادع وسلطة التّفاهة التي تقضّ حتى روح الحداثة باعتبارها ثورة ضدّ كل أشكال الوهم والتساهل مع الحقيقة(بتعبير إغناسيو راموني بأنّ الأنوار والثورة العلمية تطورت ضدّ هذه الفكرة= أي انظر تفهم) هنا لمزيد من التدقيق، انظر بمعنى شاهد، فبين المشاهدة والفهم يفترض أن توجد مسافة منهجية علمية، ذلك لأنّ البصر المجرد هو معرّض للخداع فما بالك بالبصر المستند إلى تقنية قابلة للتّصرف المطلق بالصورة.

وجوه هذا الواقع الافتراضي المصطنع تؤثّث للرداءة والاندحار المنهجي للواقع. إنّنا في عصر نهاية الواقع وموت الحقيقة وسيادة الزّيف وهيمنة الرداءة، فكل وجه من الوجوه وجدته يحتل وسائل إعلام رجعية من دون عناء وبتواطؤ على خدمة أجندة ما، فهو عميل مهما حاول أن يتمسرح في الخطاب أو يتلوّى في القول أو يترنّح في الجدل أو حتى حين يلجأ للهروب إلى الأمام بافتعال إثارات فارغة وادعاءات زائفة وتمثّل صورة أكبر من حجم كينونته. إنّ الرداءة تقضم الجودة، والوهم يلتهم الحقيقة، والافتراضي يطلق رصاصة الرحمة على الواقع، والعملاء يملؤون المشهد بالتّفاهة والإدعاء.

بعض المحلّلين أو المثقفين أو النجوم المغشوشين الذي يتم إنتاجهم داخل وسائل الإعلام التضليلية سرعان ما يتم قبولهم في وسائل إعلام ممانعة لا تملك حصانة ميديولوجيا ضدّ العدوى، وهكذا تصبح البيئة الإعلامية برمتها موبوءة، وهذا الوباء الذي يتربّص بالوعي الجماعي لا يقلّ عن الطّاعون الذي يضرب البلاد والعباد.

  1. مغالطة السلطة الرابعة

ليس شرطا في تكوين المغالطة أن يتحقق الوعي بها، بل هي خلل في الاستنتاج يمارس في الحياة العادية وهي غالبة على البيئة التواصلية العامّة، لكن حينما تصبح المغالطة مقصودة وعن خبرة ووعي وتعزّز بتقنيات تواصلية، هنا نتحدّث عن مؤامرة ممنهجة ضدّ الدّماغ. لقد كان الإعلام وسيلة لنقل المعلومات والأفكار منذ أقدم العصور حتى قبل ظهور وسائل الإعلام والصحافة. ولا شكّ أنّنا لا نبتعد عن هذه الوضعية إلاّ في مستوى التقدم التقني أمّا من حيث الأنماط فإنّنا عائدون إلى أكثرها بدائية، أي مع تحوّل الصناعة الخبرية إلى يد الجمهور وتصبح الصحافة ممارسة الجميع حينما ينتهي دور الصحافي في لجّة ثورة شبكات التواصل الاجتماعي. فنقل المعلومة كان يعتمد وسائل بدائية لكن كانت الإشاعة ملازمة للخبر الذي يقضّي مسافة طويلة حتى يصل إلى الاستهلاك العمومي. الإشاعة اليوم ليست مكثّفة فحسب بل لها سرعة الضوء ونستطيع أن نكيّف الصورة بحسب منحى الإشاعة بعد الثورة التي استطاعت تحرير الصورة من حدود المادّة وفي زمن الهولغرام الذي يبشّر بنهاية الواقع.

حينما ظهرت وسائل الإعلام حدث بموازاة ذلك تطوّر هائل في مجال استهلاك المعلومة. وكانت الصحافة مجالا مفتوحا للمثقفين بل لآباء الفكر الحديث والمعاصر ممن يعود لهم الفضل في ضخّ الدّنيا بالأفكار والمفاهيم. إنّنا نتحدّث عن صحافة في حجم هيغل وروسو وهنري دي بالزاك وهيغو وفي الحقبة المعاصرة صحافة في حجم ميشيل فوكو ودلوز وألتوسير وأمبرتو إيكوو..كانت الصحافة هي وسيلة المثقّف وأداة للتثقيف..تطوّر الأمر بفعل السياسة والاقتصاد إلى حدّ حصل التآمر على المثقف حارس جودة الأفكار ومتانتها ودخلنا مرحلة الاستعمال المفرط للرداءة. وفي عهد نيكسون كان للصحافة دور كبير في ووترغيت التي انتهت بسقوط رئيس أقوى دولة في العالم، مع أنّ المغالطة تبدأ من هنا، فهي أقوى دولة في العلاقات العامة أيضا ولعبة الإعلام. هذه الأخيرة هي أقوى وأهم من رئاسة الحكومة، لأنّ من امتلك الإعلام هناك امتلك السياسة وخلف هذه الوضعية يلعب المال الدور الأهم على الإطلاق. بدأ الحديث منذ ذلك الوقت عن السلطة الرابعة، واستمر هذا الشّعار إلى يومنا هذا بعد أن تحوّل إلى مغالطة حقيقية. تكمن مغالطة شعار السلطة الرابعة من خلال تحويل الكلام من الخاص إلى العام ومن المجاز إلى الحقيقة. لقد كان الأمر يتعلّق بالإعلام في أمريكا وفي سياق أصبح فيه الإعلام هو اليد التي تضرب بها قوى المصالح فوق الرؤوس وصناعة رأي عام معيّن، ولكن الإعلام لم يكن كذلك إلا حينما يصبح وسيلة في يد قوّة اقتصادية وسياسية. وكذلك فالمجاز هنا تحول إلى حقيقة دائمة. يردد إعلاميون في العالم العربي مثلا هذه العبارة بما يوحي أنّهم بالفعل مستقلون وأحرار وهم في خدمة الحقيقة والجمهور. وربما اليوم فقط وعووا أنّ الإعلام الأقدر على التغلّب على الوعي هو المقاولة الإعلامية التي تفوق كبرى الشركات في العالم. وهكذا يستعملون ذلك ليكتسبوا سلطة تحريف الحقيقة والتآمر على الرأي العام لصالح قوى خفية في المجتمع. الإعلام الوظيفي المساهم في تزييف الحقيقة هو يفعل ذلك ليس للإمتاع بل خدمة لمصالح أخرى. ومن هنا فهو يناضل للتهرب من المتابعة والخضوع للقانون الجنائي باعتبار أنّ في ذلك تقييدا لمهنة الصحافة وشكل من الاستبداد والتعسف. قد يكون للاستبداد دور في خلط الأوراق والتضييق على المهنة لكن هناك قطاع المافيا الذي يستغلّ هذا التمييز بين جرائم خاضعة للجنائي وجرائم خاضعة لقانون الصحافة حتى لو كانت صورة الجريمة ومادتها هي نفسها. تستعير المافيا أعضاء من داخل مهنة الصحافة يجري عليهم قانونها المخفّف ليكملوا مسار الجريمة المنظّمة. وكل شيء يجري وفق مغالطة السلطة الرابعة. إنّ البيئة الإعلامية تكسبك خبرة في اكتشاف الخبر أو التحقيق لكنها ليست معنيّة بالمعالجة النفسية للصحفي الذي ينحدر من بيئة الانتماءات الحاقدة والذي يجد في الإعلام وسيلة لممارستها بكيفية أكثر خداعا وفتكا والموصول بقطاع المافيا غير الوفي للضمير المهني. وتماما كما أنّه حينما تحلّ الفوضى كما في المراحل الانتقالية من سقوط الدول يسعى كل من له ثأر من جهة أن يبادر إليه في فترة الفراغ وتراخي قبضة الأمن فإنّ الكثير من الإعلاميين يقومون بتصفية الحساب مع خصومهم القدامى والجدد من خلال سلاح الصحافة. إنّ الصحافة لا يمكنها أن تكون سلطة لمجرد حادثة التأثير في مسار رئيس دولة، بل تظلّ أداة فتّاكة في يد قوى هي من يمارس سلطتها من خلال احتكار وسيلة الإعلام. وفي ظل هذه الفوضى كان يفترض أن تضاعف العقوبة في قانون الصحافة لأنّ القانون الرادع وحده قد يحمي المجتمع من هذه السلطة التي تستهدف وعيه وتساهم في الإساءة. لا يوجد طريق آخر غير تنظيم المهنة وتقنينها وفرض قوانين صارمة بالمعايير التي يفسرها القانون ومقاصده. فالمجرم مجرم سواء أكان قاطع طريق أو محرّض على التّعسّف والجريمة بالإعلام..التمييز هنا بمبرر المهنة لا معنى له. فالمشارك في القتل ماديا ومعنويا هو مجرم سواء أكان إسكافيا أو طبيبا أو صحفيا أو قاضيا..

أمام مغالطة السلطة الرابعة بات المجتمع في حالة خضوع لهذا الوهم، وبات يستعين بالصحافة أكثر مما يستعين بالقضاء..وأحيانا يعتقد بعضهم أنّ اللجوء إلى الصحافة هو ضرورة يفرضها العطب الذي تعاني منه عملية الترافع والتقاضي. والحال، أنّنا حينما لا نكون في دولة القانون والحقوق فإنّ كلّ شيء سيان، لأنّ أكبر وهم تستند إليه مغالطة السلطة الرابعة هو وهم الصحافة الحرّة أو المستقلة، بينما لا شيء مستقل في الصناعة الإعلامية لا في المجتمعات المتقدّمة ولا في المجتمعات المتخلفة..يقوم الترويض الإعلامي للرأي العام في الدول المتقدمة على نوع من الاحتواء الناعم للوعي بينما في المجتمعات المتخلّفة تعتمد طرق إعلامية عنيفة لا تخفي العدوانية ويصبح الإعلامي أحيانا طرفا في معركة بين اليد الخفية التي تحرك الإعلام وبين الضحية، هنا تظهر بين الفينة والأخرى الصحفي – الحاقد الذي يمارس المهنة بعدوانية وتحيّز وحسابات مفيوزية.

في مجتمعات التخلّف والأحقاد يتخيّل الإعلامي نفسه يتبختر في نياشين السلطة الرابعة الذي يوفّر له حصانة الانقضاض على حقوق النّاس والتآمر مع المافيا في عمليات تصفية الحساب، وهو أخطر على مهنة الإعلام التي يفترض فيها العلم والنبل. وهكذا فإنّ مضاعفة العقوبة في حالة الإعلامي المتورّط ليس لأنه إعلامي بل لأنّه مسيئ إلى المهنة التي واحدة من متاعبها اختراقها من قبل المافيا.

وللتذكير، فإنّ هذه مجرد صورة من صور المغالطة التي تقوم على الاستدلال الخاطئ بناء على مخاتلات منطقية، وهي ترتكز على صور أخرى من المغالطة، نذكر واحدة منها على سبيل التمثيل لا الحصر: مغالطة الحجة الدائرية(Circular Reasoning)، أي حينما نجعل من شيئ ما هو هدف في الحجاج والاستنتاج مقام إحدى المقدّمات، ذلك لأنّ مفهوم السلطة الرابعة هو استنتاج سرعان ما تحوّل إلى مقدّمة تنبني عليها سلسلة من الاستنتاجات الأخرى.

الإعلامي المكافح من أجل الحقيقة لا يبحث عن حصانة ولا عن سلطة بل يبحث عن الحقيقة بأساليب نضالية. الذين يبحثون عن السلطة الرابع بالمعنى العسكري للعبارة هم الطابور الخامس للمافيا داخل قطاع الإعلام. وفي مثل هذه الحالة شيء واحد يوقف المافيا هو النضال من داخل الصحافة ضدّ محاولة احتوائها. فعدوّ الإعلامي المفيوزي هو الإعلامي المناضل الحرّ الذي يستعمل ذات الوسائل ولو بإمكانات متفاوتة. لذا قلنا بأنّ تصحيح الإعلام هو بالإعلام ومن داخل المهنة لأنّ لا أحد يراقب الإعلامي أكثر وأفضل من الإعلامي.

  1. مغالطة الموضوعية

إذا كانت الموضوعية هي أمّ الإشكاليات التي أرّقت العلوم الاجتماعية منذ بدأت هذه الأخيرة تعي مسؤوليتها تجاه الحقيقة والأثر السّيئ الذي يحدثه التحيّز في مجال إحرازها وتحققها، فماذا سيكون عليه وضع الإعلام الذي باتت وظيفته الأساسية هو التفكير المستمر في الهروب من مدرسة الموضوعية؟ هنا وجب أن يجري كل هذا الزيف في مجال الميديا باسم نقيضه، فالإعلام يقدّم نفسه بوصفه صناعة للحقيقة الموضوعية بينما وظيفته التي استأثر بها مذ بات في خدمة الزّيف هو كيف يراوغ إلى حدّ تصبح فيه المديا هي قبلة الحقيقة بحيث لا أحد يستطيع أن يكذّب ما يقدمه الإعلام للوهلة الأولى وفي الوقت نفسه يكون متآمرا على الحقيقة؟ داخل هذه الثورة الإعلامية كل التطور الذي تخدع له التكوينات الخاصة هو كيف تقدّم مضمون الخبر بالشكل الذي يتكيّف مع تقنيات الإقناع الأداتي للوسائط. هنا انزاح معنى الموضوعية ليصبح هو موضوعية الأدوات التقنية المستعملة، أي أنّ الزّيف هنا يعاد إنتاجه وفق قوالب تقنية لا يملك المتلقّي إلا الاذعان لها باعتبار أنّ التقنية لا تكذب.

لا نؤاخذ الإعلام على أنّه غير قادر على إحراز الموضوعية غير أنّ حديثنا هنا عن ادعاء الموضوعية في مجال يأبى الموضوعية ويمتنع عليها. ومع ذلك وفي حقل الدراسات الإنسانية نعتبر أنّ الحديث عن الموضوعية بهذه الصّورة اللاّموضوعية يجعلنا أمام إشكالية حقيقية، ومطلب مستحيل التحقق نظرا لأنّ الموضوعية كما يتم الحديث عنها هي أمر وهمي. ذلك لأنّ الواقع نفسه لا يمثل أمام الفاهمة كما هو بل ثمة مسافة بين الواقع والفاهمة يدخل فيها الخيال والصورة بالشكل الذي يجعل الموضوعية أمرا مستبعدا. ومن هنا فإنّ القيمة المعرفية للذاتية هي التي تجعلنا نقف أمام ما أسمّيه الشّكل الوحيد والممكن للموضوعية ألا وهو الذاتية. ومن هذا المنطلق فإنّ ما يستحق أن ننعته بالموضوعية/الذّاتية تستطيع أن تكون منتجة فقط وفقط حينما تعلن عن نفسها وعن حقيقتها لكي تعمل في ضوء الرقابة الجماعية للمتلقّي نفسه. هذا هو الشكل الممكن الذي يجعل الذاتية تبدو خلاّقة وهي تعمل كذاتية موضوعية معلنة وليس مخاتلة.

مشكلة الإعلام تكمن هنا في أنّ هذه الوسائط لا تعلن عن ذاتيتها، ولا تجيب بالموضوعية الممكنة عن هويتها وعن سؤال: من نحن؟ لأنّ هذا الكشف الأوّلي عن تموضع الذات هو الذي يسهّل عملية الاستفادة من الذاتية لصالح الموضوعية الممكنة. وهكذا نجد من المناسبة القول أنّ الموضوعية ليست مقابل الذّاتية بل هي إظهار الواقع كما هو، ومن هنا فإظهار هوية وحدود الذاتية باعتبارها واقعا هو فعل موضوعي يجب أن يجري في نوع من الشّفافية. والحال أنّ الوسائط تقدّم نفسها باعتبارها وسائط موضوعية تفدّم مادة خبرية وتحليلية مستقلة أي أنّها تمارس الصحافة المجردة وليس شيئا آخر. تبدأ المغالطة من هنا حين يتحدّث تلفزيون الجزيرة مثلا عن الرأي والرأي الآخر، بينما وخلافا لمغالطة الاختزال قد يكون الرأي الآخر ليس واحدا بل متعددا، رأي ثالث ورابع وخامس وهلم جرّا، لماذا اللجوء إلى مغالطة الحصر العقلي ولماذا لا يكون برنامج الاتجاه المعاكس مثلا جماعيا وليس ثنائيّا يعزّز مغالطة الحصر العقلي؟ لا يوجد في هذه المغالطة موضوعية بل يوجد رأي المهيمن على البرنامج الذي يتجلّى في ذلك الانتقاء المنهجي الذي لا يعرفه الجمهور المتلقّي، أي ما هي المعايير التي تتبع في انتقاء الضيوف وما هو الموضوع والسياق، ومن هو المقبول وغير المقبول، وما هي الظروف التي تتحكّم في هذا الانتقاء المدبّر حيث لا يوجد اعتباط العمل الميديولوجي؟

الصورة التي تستهلك اليوم عن مفهوم الموضوعية تضاعف إشكاليتها ، بينما يقدّمها التبسيط الفكري على أنّها ممكنة بالمعنى الذي يجعلها النقيض المعرفي للذّاتية وهو أمر نقضناه في مجال إبستيمولوجيا جدل الفكر والواقع ونعتبر جريانه في المجال الإعلامي هو استمرار للمغالطة نفسها. وهنا كان لا بدّ أن نسأل أمام كل وسيلة إعلام: من وراءها؟ ولعلّه من المغالطات التي صادفتها مرارا في مجال المعضلة الميديولوجيا حينما يقول إعلامي من وسيلة إعلامية موصولة بأجندات نعرفها جدّا بأنّ الوسيلة الإعلامية الأخرى هي تابعة لجهة ما أو تخدم أجندة ما. تكمن المغالطة في أنهم يعتقدون أنّهم على شيء من الاستقلال بينما فقط الآخرون يخدمون أجندات. ولكن المشكلة هنا ليس في أنّ هذا الإعلام يعمل لصالح أجندة ما بل السؤال الصحيح: ما هي هذه الأجندات؟ وهل قدّم هذا الإعلام أو ذاك صورة شفّافة عن نفسه بوصفه يناصر قضية ما؟ والصراع هو حول من يكون أكثر إقناعا للمتلقّي أي هو صراع على الرأي العام.

نحن إذن أمام مصالح متناقضة واتجاهات مختلفة، يجب التمييز بين محطة إعلامية يكون مصدر تمويلها من أباطرة الإمبريالية والرجعية وبين محطة إعلامية تعتمد على التبرعات التي يقدّمها متطوعون من داخل الشّعب أو ممن ربطوا مصالحهم مع الشعب؟ هنا يتواطأ الرأي العام مع المموّل فيجعل معيار القيمة والجودة هو في تقنية الصورة وجودة البثّ وليس جودة المضمون وحقيقة الخبر، لأن جودة التّقنية هو في حقيقة الأمر أمر مرهون بالاستثمار في المقاولة الإعلامية.

مجال الإعلام هو أكثر المجالات التي تتضخم فيه مزاعم المواضوعية، وهو في الوقت ذاته أكثر المجالات التي يتهدّم فيها الواقع وتندكّ فيها الموضوعية..هنا في مزارع الميديا تصنع وجوه مزيّفة موصولة بأجندات تقتضي وجود عبيد من داخل هذه المزارع، عبيد قابلين بكل أنواع الاشتراط وخصوم لواقع يرون أنه لم ينصفهم فهم في حالة شعور بالانتقام مفتوح على مصراعيه في وجه الحقيقة والذّوق والوجدان. ففي العادة تقتضي المؤامرة على الموضوعية نفسها استعمال تقنيات استقطاب أهل الرداءة باعتبارهم أكبر القابلين بشروط النّذالة. هذه التقنيات في استقطاب الضعفاء تستند إلى إثارة الأعماق السحيقة لعقدة حقارة، أي أنها تستند إلى تقنيات إثارة الذّوات غير السّوية والتي من مصلحتها تعدّي الموضوعية. هنا تبدو الميديا مقتنعة عمليّا بأنها تخاطب رأي عام غير سويّ ومريض، وهي تسعى من جهة أخرى إلى تعزيز هذا الواقع المرضي بأساليب التربية المستدامة التي تقدمها الميديا للجمهور ليبقى وفيّا للاسواء التّلقّي. وبالفعل فإنّ ما يسمى بمهنة المتاعب وهي كذلك من وجه لكنها من وجه آخر هي مهنة تنتج متاعب للرأي العام وتشوش على الوعي، هي بالفعل مهنة تنتج المتاعب لمستهلكيها حينما تصبح ميديا في خدمة الزّيف، تماما كسيف قاطع مكّنت منه مجرم، نعم، حتى المجرم يمكن أن يتحدّث عن ضمير مهني: القتل بلا رحمة. من جهة أخرى لا يمكن أن نتصوّر إعلاما متقدّما من حيث النّزاهة في بيئة عربية تعاني من كلذ دواعي الضّحالة. ففي بيئة تعامي فيها السياسة والثقافة والمجتمع والاقتصاد من التدهور كيف يمكن أن يكون الإعلام نزيها، هذا في حين يجب التنبيه إلى أنّ تقدّم الإعلام وفق المعايير المتداولة للجودة لا يعني الموضوعية(المستحيلة)ولا النّزاهة بل يعني تطور تقنية البثّ وجودة الصورة والهارمونيا التي تحوّل النكبات إلى لوحة رومانسية أو تخلط الأوراق كما يفعل الرّسام حين يخلط بين المتناقضات. محاولة لإعادة تشكيل الواقع وفق صورة ما تقتضيها مصالح وقوى تواصل حربها على صعيد الاقتصاد السياسي.

يتّضح هذا الأمر بشكل جليّ حينما ندرس تجربة قناة معيّنة مع الحقيقة، أو برنامج محدّد وكيف يدير الخبر والمعلومة والنّقاش. وفي المنطقة العربية لدينا أمثلة كثيرة من قنوات وجدت لتكون طرفا في حروب قذرة، يظهر كيف أنّ مادّة الآدرينالين تفيض على المذيع أو مدير البرنامج بالدرجة نفسها بين أطروحة ونقيضها بحسب التغيير الذي تعرفها جيوبوليتيكا المنطقة. يتساءل أي متلقي من قبيلة الرأي العام بطيبة وشعبوية: هل يتعلّق الأمر بتزوير مظاهر الغضب نفسها؟ هل إنّ الميديا وصلت حدّا تجعل بعض الإعلاميين الذين يؤدّون كلذ الأدوار يخضعون مشاعرهم لتلوّن الموقف؟ وهل يا ترى هناك علاقة عضوية بين الإعلام والمسرح؟ الإعلام الذي يخاطب الغريزة ويحدث التباسا في الدّماغ ويجعل الرأي العام يقيس الواقع على صراع الديكة في ستوديوهات مجهّزة للفرجة بواسطة تقاذف الأحكام والاتهامات وتربية الذّوق العام على الانحطاط وتبلّد الأحاسيس وقتل الثّقافة والاستهتار بالمعنى لصالح التنازع، هذا الإعلام هو إعلام إثارة وليس إعلام موضوعية.

في لحظات الجدّ يخرج الإعلامي الوظيفي من تمسرحه الموضوعي فينخرط مباشرة في الحرب الإعلامية، وهذا أمر رصدناه في الواقع حيث ساهمت الحرب وحرارتها في أن أسقطت قناع الزّيف الموضوعي من وجوههم فكنّا أمام حالات كثيرة تعزّر أكذوبة الموضوعية، لأنّ هذه الأخيرة إن كانت هي كذلك بالفعل فعليها أن تستمر في الحرب كما في السّلم. إنّ الذّاتية موجودة وإن توارت خلف تقنيات العرض والاستعراض، وهي تحتاج إلى سياق مختلف لكي تكسر أساليب الخداع التي تحيط بها نفسها. وقلنا أنّ الذّاتية خلافا لما هو رائج في مجال العلوم الانسانية ليست نقيضا للموضوعية، بل للذاتية قيمتها المعرفية، بل الموضوعية هي كيفية تدبير العلاقة الخلاّقة بين واقع موضوعي ينوء بالذاتيات. ولكن المشكلة أو المغالطة تبدأ حين نتحدّث عن الموضوعية بوصفها موجودة وممكنة ونقيضة للذاتية. ليست الموضوعية هي نكران الذّات بل أحيانا الذّات تنمو بأخلاقيات المهنة والقدرة على إغناء الواقع لصالح تقاسم سعيد للمعلومة والحقيقة، إنّ الذّاتية تساهم في صناعة الحقيقة وإنعاشها حين تكتسب الشجاعة من أجل المعرفة، وهذا هو الشكل الموضوعي الذي يجعل الحقيقة تظهر في إطار من الموضوعية/الذاتية وليس مغالطة الموضوعية المجرّدة التي هي أمّ الأوهام في مجال المعرفة.

  1. مغالطة المغالطة

هذه من بين المغالطات الصعبة التي تظهر إلى أي مدى أنّ الدّماغ يفكّر ضدّ نفسه حينما لا يعقل. ويصعب على الإنسان أن يدرك ما معنى أن يفكر الدماغ ضدّ نفسه حين لا يعقل، ذلك لأنّني أعتبر هذه المغالطة هي من أكثر المغالطات احتواء لصور المغالطات الأخرى والأخفى على الاكتشاف. ولعلّ الكثير من المناطقة قد يلجؤون إلى استعمال مهاراتهم في التدليس باسم اليقظة المنطقية، فيستعملون المنطق ضدّ المنطق. وهذا المنحى سبق وسميته في مورد سابق بالنزعة المنطقانية، وعنيت بها أشكال من المغالطات التي تستند إلى التغليط نفسه. وهذا النوع من المغالطات يرتكز على جملة مغالطات، منها على سبيل المثال أيضا وليس الحصر: مغالطة الاحتكام إلى السلطة(Argument from authority)، وهو التلويح الذي يستعمل لإحباط حجّة الخصم استنادا إلى الاختصاص أو نذرة الممارسة المنطقية وما شابه. إنّني من خلال ذلك اهتديت إلى العقل الأداتي بتعبير هابرماس هو نحو من الانتظام المقولي أو الترابط المنطقي لخدمة مصلحة حجاجية ما. ومن هنا فهو ليس بالضرورة معصوما عن الخطأ بوصفه ليس العقل الرابط والموصل: رابط منطقي ووصل يؤمّن نحوا من العبور من الإبستيمولوجي إلى الأنطولوجي، باعتبار أنّ العقل هو هذا الكلّ الشامل وليس مجرد انتظام مقولي. وهكذا قلنا أن الدماغ حين يعقل يفعل نحو فعل معين وحين لا يعقل يفعل خلافه لنؤكّد أن الدماغ قد يعقل وقد لا يعقل، فلنبحث عن العقل في مسار العبر-مناهجية، أي تحرر الأنطولوجي من هيمنة الطريقة مع اعتبارها.

إنّ مغالطة المغالطة(The fallacy fallacy)، هي محاولة بناء مغالطة على مغالطة، أو التغليط الذي يستعمل في قيام مغالطة أخرى، وصورته في المثال التالي: “يقول خالد لصاحبه وهو يحاوره: فعلك هذا مناقض للمروءة حسب المعايير الأخلاقية للسلف الصالح.. ”

  • يجيبه صاحبه: أنت تحاكمني بناء على مغالطة الاحتكام إلى الموروث (Argument from antiquity)، إذن استنتاجك غير صحيح.

إنّ مغالطة المغالطة تتصيّد سوء تدبير المقدّمات وعدم القدرة على إدارة الحجاج بشكل يسمح بتقويض مغالطة الخصم واستبدالها بمغالطة أخرى حيث في الغالب يكون الذهول هو سيد الموقف بينما الخصم يكون أمام صدمة تقويض مغالطته. مثلا يقول زيد لعمرو: الطبيب يقول بأن استهلاك القهوة كثيرا مخلّ بالصحة، يجيبه عمرو: أنت هنا تستعمل مغالطة الاحتكام إلى السلطة ، اذن استنتاجك خاطئ والقهوة مفيدة.

في الإعلام الذي يخوض ضروبا من الخطاب التواصلي والاحتجاجي مع الرأي العام فهو يستعمل مغالطة المغالطة، حيث يعمل على إحباط مغالطات الجمهور وزرع مغالطة بديلة لدحض استنتاجات الجمهور البديهية بناء على مغالطة الاحتكام إلى السلطة، فيكون الإعلام قادرا على انتقاء المخاطب المناسب في سياقات مناسبة.

سنجد أمثلة من الخطاب الإعلامي خلال السنوات الفارطة وكيف أنّ مغالطة المغالطة لعبت دورا خطيرا في كيّ الوعي لدى الجمهور لدحض كلّ تساؤلاته الطبيعية بناء على مغالطة الاحتكام إلى السلطة، الذي ينتهي بتعبئة اللغة الصناعية ضدّ الطبيعية. فحين كنّا نقول: إن ما يحصل هو ليس ثورة بالمعنى التّاريخي للعبارة، كان الجواب الفوري: أنت تستعمل مغالطة الموروث التّاريخي إذن استنتاجك خاطئ، وهذا الذي يحدث هو ثورة بالمعنى الصحيح، لأنّ الثورة اليوم اكتشفت نمطا جديدا، ثورات من دون زعيم أو قائد. ويمكن أن نعطي أمثلة أخرى نظير:

ـ هناك حسابات دولية وإقليمية تستغلّ الحراك لأغراض تخدم الإمبريالية والاحتلال

ـ هذا الذي تقوله يقوم على مغالطة نظرية المؤامرة، إذن كلامك باطل، فليس هناك أي حسابات جيوسياسية.

ومثال آخر:

ـ واضح من البداية أنّ هذه الثورات لن تصل إلى نتيجة لأنها منذ الوهلة الأولى راهنت على الدعم الأمريكي والتدخل الخارجي..

ـ أنت تستند إلى مغالطة العمالة، ونحن هنا نتحدث عن التقاء مصالح وليس رهانا، إذن كلامك باطل،لا توجد عمالة.

ومثال آخر:

ـ ها قد ظهرت صحّة موقفنا، لقد أنتج التعاون مع الإمبريالية والرجعية خرابا واليوم بتنا أمام انهيار كيانات..

ـ أنت تستند إلى مغالطة الفورية في تحقق نتائج الثورات، بينما الثورة الفرنسية لم تحقق أهدافها إلاّ بعد عشرات السنين، إذن استنتاجك باطل فلا يوجد خراب أو انهيار للكيانات.

وهكذا يمكن أن يصار إلى استعمال المغالطة انطلاقا من دحض مغالطة أخرى. واضح أنّه في المثال الأول يستند الخصم إلى فكرة غامضة، لأنّ الثورات لم تنجح بعد لتؤكّد على أنّ غياب القيادة التاريخية لم يعد ممكنا، كما في الثاني تكمن المغالطة البديلة في لعبة ألفاظ ومغالطة اختزال واقع جيوبوليتيكي ضخم بناء على مغالطة إلتماس المشاعر(Appeal to emotion)، باستعمال مفهوم الحرية ومواجهة الاستبداد وحقّ الشعوب في تقرير المصير. كما أننا في الثالث نرى اعتماد مغالطة التماثل بين حادثة وقعت في التاريخ وحادثة وقعت في الحاضر ولما تنتهي بعد. تكمن المغالطة هنا في كونها لا تكشف عن واقع وإنما شيء يعكس انتظارات ومغالطة الممكن. الاستنتاج أصبح مقدّمة في قياس مع الفارق. وستجد أنّ بؤس هذه المغالطة يتجلّى بوضوح لدى الخبير بأشكال وصور المغالطة في الإعلام في أنّ المغالطات نفسها التي يستند إليها المخاطب هنا تنقلب في مواقف أخرى مثيلة، أي أنّ مغالطة المغالطة تعمل من كل الجهات وفي كل الجهات في وسائل الإعلام المعنية بتزييف الحقيقة و”تسطيل” الرأي العام. هنا قد تكون المعطيات صحيحة ولكن طريقة الإقناع يشوبها بعض الضعف أو غير مقنعة أو أنّ نقيضها يمتلك سحر الصورة وشيطان التقنية. هنا ندرك أنّ ليس كل حقيقة هي بالضرورة مقنعة كما أنه ليس بالضرورة كلّ باطل ليس مقنعا. فالمنطق وحده ليس عاصما أمام فعل ما أسميناه بالملاوغة.

  1. مغالطة رجل القشّ

من الضروري التذكير هنا بأنّ أنواع وصور المغالطة ليست من ابتكار الميديا ولكنها أمر متداول في حياة الناس وبه يحييون ويتعايشون ويتصارعون، فالمغالطة كانت دائما مقوّما أساسيا للمعاقلات التي تجري بين النّاس. ويبدو لي أنّ المعاقلة على الصعيد السوسيولوجي لا تستغني عن المغالطة باعتبارها شيئا مقبولا وممارسا في المجتمع، بل أراها أشبه بالفطريات والباكتيريا، فيها ما هو نافع إلى حدّ ما وفيها ما هو ضارّ. تسعى بعض وسائل الإعلام إلى تكريس واقع المغالطة وتوظيف التقنية في مجال المغالطة: التحول في زمن المعلومة وتقنية الصورة والخداع والقدرة على تركيب الصور والتصرف فيها وتعزيز وضعية الدماغ المغالط حيث تساعد هذه الوضعية على تقبّل كل أشكال احتواء الوعي من دون مقاومة. واحدة من أهم المغالطات التي تعتمد في حياة النّاس ويستند إليها الإعلام في بسط سيطرته على الرأي العام وتوجيهه هو ما يعرف بمغالطة رجل القش (Straw Man Argument)، وتقوم هذه المغالطة على انتزاع حجّة الخصم من سياقها الدلالي بواسطة صور أخرى للمغالطة كالاختزال أو التعميم أو الاحتكام إلى المشاعر أو غيرها، وذلك قبل العمل على تقويضها. يسعى المغالط إلى إعادة بناء حجة خصمه على نحو مختلف لكنه محرف ليسهل عليه تقويضها. فما يقصده المتكلم لا يفهمه الخصم وما يقصده الخصم لا يعنيه المتكلم، وكأنّ المغالط يبني رجلا من القشّ ويصوّب له سهامه بعد أن يقوم بتشويهه وتحويله إلى فزّاعة. وتسمّى هذه المغالطة أيضا بمغالطة البهلواني، حيث يبدو أن المغالط ينطّ بعيدا عن الترابط المنطقي لاستدلال الخصم فيخترع حجّة أضعف مما يورد خصمه وينسفها. ولذا حين استعملت قبل سنوات هذه الصفة ناقدا بعضا من أفكار علي حرب حصل سوء فهم هنا حيث لا هو ولا آخرون قرؤوا الوصف من وجهة نظر منطقية. كان هذا الأخير في كتابه “المنطق التحويلي” هاجم أشكال المنطق الصوري معتمدا على ضرب مما سمّاه المنطق التحويلي. اعتبرت نقضه للمنطق الأرسطي واقعا في “مغالطة المغالطة” فضلا عن صور أخرى للمغالطة أهمها مغالطة رجل القش، ولكنني فضلت أن أقول إنّ طريقة صاحبنا هي بهلوانية. وكنت قبل ذلك بسنوات أخرى قد قدمت قراءة نقدية لتفكيكية علي حرب وفيها ذكرت بأنه تفكيكي ماهر في العالم العربي ولكن!..غير أنه سيحاول أن يردّ على حديثي بجمل لا توزن إلاّ في ميزان المغالطة وهي تصلح مثالا هنا لمغالطة رجل القش ومغالطات أخرى..

قال: ومثال عن هؤلاء الكاتب الفلاني(يقصدني= هنا أروي بالمضمون وليس بالحرف)، مثال عن كاتب ينتهك كلامه فهو من جهة يمدحني ويقول بأنني تفكيكي قدير ثم سرعان ما يتهمني بأنّي بهلواني..هنا يعمد الكاتب إلى استعمال مغالطات كثيرة منها مغالطة رجل القشّ التي تحاول تغيير مسار الاحتجاج وتبشيع الحجة وإعادة تشكيلها بالصورة التي تبدو أضعف. ولكي يفعل ذلك لجأ إلى أكثر من مغالطة مثل الاختزال، ومغالطة المغالطة، فضلا عن مغالطة رجل القش. وبكل بساطة حينما وقفت على هذه المغالطة لاحظت أنّ ما احتجّ به عليّ لم أقصده وما قصدته لم أجده. ذلك لأنّه اعتمد على نصّين مختلفين كتب أحدهما قبل الآخر بسنوات عديدة..ثم في النص الأوّل قلت أنه أعلن نفسه فرعا عربيا للتفكيكية وواصلت ملاحظات أخرى لم يذكرها بل اختزل حديثي في فكرة واحدة..بينما كان حديثي في سياق الموازنة بين المدح والتجريح وهما قوام النقد القائم على الشجاعة من أجل المعرفة وكذلك الشجاعة من أجل الاعتراف. بينما صفة بهلوان جاءت في سياق أنّ انتقاد المنطق الأرسطي من خلال تقويض مبدأ التناقض هو شكل من التبشيع، ولكن الكاتب عاد عبر مغالطة المغالطة لمحاكمتي بمبدأ التناقض حين قال بأنّي قلت عنه كيت ثم قلت ما يوحي بالنقيض، مع أنّ التناقض حتى بالمعنى الأرسطي الذي أراد علي حرب تقويضه في مزعومته: المنطق التحويلي، هو أرقى بكثير إذ التناقض له شروط فلا يحصل في السياقات المختلفة والموضوعات المتفاوتة، فلو قلت إن عمر في الخريف مريض ثم قلت صيفا إن عمر بصحة جيدة لا يكون هذا تناقضا.واذن استند في ردّ كلامي على أصل التناقض الأرسطي في الوقت الذي يستهدن رفض المنطق الأرسطي للتناقض، إنّه زواج كنسي بين مغالطتين في المنطق الحربي: مغالطة المغالطة ومغالطة رجل القشّ. وإنّي أعتقد أنّ قياس إبليس كما هو وارد في الأثر استحقّ به النزول في دركات اللّعنة الأبدية نظرا لأنّ إبليس في سردية الحجاج الأوّل استند إلى مغالطة رجل القش، أي حاول في ضرب من الحجاج أن يبشّع حجة الله في الخلق بدعوى أنّه خلق من طين. في النقاش الذي أثاره جلال العظم حول صوابية منطق إبليس تكمن مغالطة المغالطة مرة أخرى، حيث غاب عنه أنّ مغالطة إبليس هنا ذات وجوه كثيرة ليس هاهنا مجال لذكرها ولكن وجه منها يتعلق برجل القش حيث أعاد إبليس تشكيل الحجة وفق رؤية عنصرية تقوم على التفاضل الأستقصّي العنصري الذي هو وفق معيار العلم تفاضل غير حقيقي وهو اعتباري أكثر مما هو جوهري. وهكذا بدل أن يركّز على خاصية التميّز بالروح تحدث عن الخلق من طين. هذا هو أوّل درس في المغالطة الذي يحتويه قياس إبليس، وهو له نظائر في تخاطب النّاس. فالنّاس إن هم سادت في تخاطبهم المغالطة حدّ الإفراط كانوا أبالسة وحصل الشقاء والنزول إلى المدارك السفلى للمعانى. إنّ المغالطة مثل الباكتيريا كما قلنا تتعايش مع الحقيقة في دماغ لا يمثل امتثالا كافيا للحقيقة، ولكن حين تصبح المغالطة سلوكا ممنهجا ومفرطا في حياة الإنسان يفقد ماهيته الآدمية ويصبح من جنس الأبالسة، وهذا ما يسير عليه الإعلام المغالط، فهو يسير باتجاه تحويل الوظيفة الإعلامية إلى ظاهرة ميديابليسية بامتياز.

ومثل مغالطة رجل القشّ أو المغالطة البهلوانية كثيرة في الخطاب الأيديولوجي باعتباره مرتعا للزيف والمغالطة وكذلك في وسائل الإعلام تشكّل مغالطة رجل القشّ رجز المغالطين وحمار المزيّفين للواقع والحقيقة. سنضرب أمثالا لمغالطة رجل القشّ من صلب خطاب الميديا، وليس هناك أفضل من سياق ما يشهده العالم العربي من فوضى ونزاعات وحروب إعلامية ساخنة لا تراعي في المروءة والضمير المهني إلاّ ولا ذمّة. وسأصيغها في صورة جمل حجاجية تكررت بشكل مفرط في وسائل الإعلام ولكنني سأحبطها بمنطق الحجاج الواعي بخداع المغالطة:

– زيد : الرهان على التدخّل الخارجي في تغيير النظام السوري قد يؤدّي إلى انهيار الدولة وتقسيم البلد وإضعاف المجتمع..

-عمرو: هذا حديث الشّبيحة، هل تريد أن تستمر الديكتاتورية في سوريا

– زيد: ولكنني أرى أنّ النظام السوري لم يرفض الإصلاحات وتجاوب بإيجابية فلم الإصرار على التخريب؟

عمرو: هو من ساهم في تحويل الثورة إلى مسلحة ليسهل عليه اتهامها

-زيد: ولكنّني تابعت ما كانت تقوله وسائل الإعلام الصديقة للمعارضة في الخارج، حيث قالت في البداية بأنه لا توجد مظاهر مسلحة ثم في المرحلة الثانية تحدثت عن انشقاق وعن تشكيلة الجيش الحر وقالت بأن هذا عمل مشروع دفاعا عن الثورة، فلماذا تقولون أنّ النظام هو من افتعل عسكرة الثورة؟

– عمرو: هناك تدخل عسكري من قبل روسيا وايران وحزب الله في سوريا ضد الشعب السوري ألا ترون ذلك؟

-زيد: ولكن مظاهر التسلح والإرهاب ظهرت قبل أن يعلن عن تدخل هذه القوى، وأيضا هذا التدخل يستهدف المسلحين وليس الشعب وقد جرى بتوافق مع دولة ذات سيادة، فهل أنت تسمي المسلحين شعبا؟ وماذا تقول في المسلحين الذين يقتلون قسما من الشعب ويهجرون الناس ويحاصرون القرى ويهدمون الكنائس ويقومون بالذبح والمجازر؟

– عمرو: نحن ضدّ الإرهاب وكل هذا الشيء؟

– زيد: ولكن هذا الاعتراض متأخر، لأنّكم تقبلون بالنصرة وترفضون داعش، فالنصرة نفسها ضد داعش ولكنها ملّة واحدة..ونحن رأينا لمعتدليكم صورا مع مسلحين من إدلب تعتبرونهم أبطالا وعقدتم مؤتمرا إرهابيا كشفتم فيه عن نواياكم قبل أن يسقط مرسي وتتبرؤون من توصيات ذلك المؤتمر

– عمرو: نحن نؤمن بالمعارضة المشروعة ونحارب الجيش الأسدي من أجل الحرية والديمقراطية

– زيد: من الذي منح الشرعية لمعارضة تتلقّى اللوجستيك ممن قتلوا العرب والمسلمين والشعوب في مناطق أخرى، ولماذا لا تسمون الأغلبية الصامتة أو التي لا يتم تسليط الضوء عليها من قبل إعلام يمارسة سياسة التبشيع ومغالطة رجل القش، أي يضخّم في إشاعات تشبه الأساطير بأنها هي الشعب..ومن قال: إن الجيش السوري هو ميليشيا؟ كم عدد الجيش السوري؟ ستجد أنّه تقريبا 315000 فضلا عن قوة الاحتياط 200000، فلو افترضنا أنّ كل جندي وراءه متوسط 5 أفراد من عائلته مؤيدين لعمله سيكون الأمر أكبر من أن يوصف بميليشيا أسدية، وهؤلاء هم أكثر عدد من المعارضة وعوائلها، بل عددهم أكبر من ساكنة دول في منطقة الخليج استعملت وسائل الإعلام في تبشيع الجيش النظامي وفق مغالطة رجل القشّ..ثم إن كان هذا الجيش بالفعل يقتل شعبه وهو يستعمل كل هذه الصواريخ والقنابل والمدمرات بالإضافة إلى التدخل الروسي وغيره، لو افترضنا خطلا أنّ هذه الجيوش تقتل الشعب الأعزل منذ 7 سنوات، أليست تلك السنوات كافية لتجعله يباد وينقرض؟

هذا جانب من الحجاج الذي مارسناه طيلة سنوات في دحض مغالطات وجدت لها أدمغة صيغة على أساس هذه الأوهام التي انتشرت كالعدوى. وهو ما يفسّر ما ذكرته في مناسبات عديدة من أنّني تتبعت كل أنواع المغالطة ووجدتها كلها مستعملة ضدّ سوريا في هذه الحرب، وهو ما جعل الكيان كله هناك يدفع الثمن. وهنا نلاحظ أنّ المغالط سرعان ما يوقف النقاش ويلجأ إلى مغالطة الضعفاء: الإحتكام إلى المشاعر: إنه يقتل شعبه، الأطفال يموتون، براميل متفجّرة..اللاّجؤون..ومغالطات أخرى لها علاقة بالتدبير الإقليمي والدولي لتغيير خريطة الشرق الأوسط وهو جوهر القضية التي غابت عن الخطاب الإعلامي المضلّل.

وهنا واضح أنّ النظام الدّولي الذي يحتوي على الكثير من المفاهيم والمبادئ هو نفسه مغالطة قصوى، لأنّه وفّر جملة من الأوهام يمنحها بقوة الجيوستراتيجيا موسما لتفريخ الأزمات، حيث تستعمل بعض المفاهيم في سياق مغالطة الإحتكام إلى المشاعر: حق تقرير المصير الذي استعمل كمغالطة دولية أكثر مما يستعمل في مصائر الشعوب والأمم، الحق في انتهاك السيادة من أجل حقوق الإنسان الذي يوظّف في الاحتلال والغزو، محو الشّر والدول المارقة وما شابه…

ودائما إنّ المغالطة في استعمال المغالط قابلة لتعمل في الاتجاهات كلّها. كان الإخوان المسلمون كلّما تحدّثنا عن خطر الاعتماد على التدخل الخارجي في البلاد العربية يقولون: إنها نظرية المؤامرة ومغالطاتها، وكما قلنا هذا شكل من مغالطة المغالطة الذي لجأوا إليه حين استتبّ لهم الأمر في مصر، لكن ما أن سقطوا من الحكومة حتى حصل لديهم تضخم في نظرية المؤامرة: الحرب على سوريا ليست مؤامرة والإطاحة بمرسي مؤامرة!!

نفسّر كل المواقف التناقضية للرأي العام بتأثير مغالطة رجل القشّ وأخواتها لأنّها هي التي تجعل المتلقّي يسوّغ هذا التناقض، فلا عجب إن رأيت الرأي العام يبكي على قتلى هنا وفي الوقت نفسه يملك قسوة القلب هناك..الرأي العام العربي الذي وقف ضدّ دول مجلس التعاون انتصارا لصدّام هو نفسه الذي وقف مع دول مجلس التعاون ضدّ بشّار الأسد..والرأي العام الذي عيّر كلّ المعارضة العراقية واصفا إيّاها بالمجيء على دبابة أمريكية هو نفسه الرأي العام الذي يعاتب أمريكا لأنها تخلّت عن المعارضة السورية ولم تأت بهم على دبّابتها إلى دمشق..يتساءل كثيرون ما سرّ هذه الحالة التناقضية للرأي العام، غير أنّ الجواب يكمن في سياسة الميديا التي توفّر ما يحتاجه الرأي العام لمغالطة نفسه وتقبل كلّ المواقف التناقضية.

إن مغالطة رجل القش تستعمل للإطاحة بحجة الخصم ولكن بما أنّ حجته تكون قوّية فيصار إلى وضع حجة بديلة عنها كفزاعة يسهل الإطاحة بها. وقد استعملت هذه المغالطة في الإعلام العربي المنخرط في تزييف الصورة اعتمادا على الخطاب الطائفي طيلة سنوات من الفوضى، أي تبشيع أهداف الممانعة واختزالها فيما سمّي في وسائل الإعلام الموصولة بالأجندة الإمبريالية والرجعية بالتغلغل الصفوي أو الخطر الإيراني أو الحرب على أهل السّنة وما شابه من عناوين أجنبية على صلب الصراع السياسي بما انتهى باحتقانات وصولا إلى نهج الماكارثية الطائفية. لقد تمّ تبشيع خطاب المقاومة من خلال إضفاء عناوين طائفية حمقاء وعبر لعبة التكرار استطاعوا أن يسكنوها في قعر اللاّوعي الجمعي للرأي العام العربي إلى حدّ استطاع الإعلام الرجعي الوظيفي أن يجعل المشكلة الكبرى في العالم العربي هي الصراع الطائفي وهذا كبديل عن المعركة المصيرية ضدّ الغزو والاحتلال. بلغ خطاب الطائفية حدّ الإسفاف بحيث لم يفد معه موسوعات من التوعية النظرية لأنّه توسّل مغالطة رجل القشّ في تبشيع حجّة الخصم بحيث باتت في ذهن الرأي العام عبارة عن تغلغل واستهداف طائفي. ولقد جنّد في هذه المغالطة الكونية قطيع واسع من مستويات مختلفة من القمّة إلى أسفل الأقدام كلّ من موقعه ساهم في هذه السياسة عبر مختلف الوسائط. لم يكن كل المنخرطين في هذه المعركة مقتنعين بها أو ممن لهم خلفيات معتقدية بل هناك من انخرط انخراطا وظيفيا كمرتزقة في حرب طائفية حمقاء. لا يحتاج كثير عناء لتوثيق هذه الظاهرة، فثمّة عدد منهم عرضوا عليّ خدماتهم في هذا الخطاب وحين أهملت طلباتهم ذهبوا إلى جبهة أكثر اقتناعا بالحروب الطائفية، غير أنّ المغالطة إيّاها تقتضي أن يتترّس المرتزقة داخل وسائل إعلام ليست في جوهرها إعلامية بمفاهيم التسامح والحداثة والديمقراطية وابتلاع كل المفاهيم النقيضة لجوهر وظيفتهم من خلال فعل “الملاوغة”، في حين يلجؤون إلى لعبة مغالطة رجل القشّ في صبّ كلّ الصفات البشعة على آراء ومواقف الخصم مقابل مساعدات لوجيستيكية للنّفطو-دولار القائم على ترييع حقل الحقيقة وشراء الذّمم.

إنّ مغالطة رجل القش هي حمار الإعلام المغالط طيلة سنوات الزّيف، بل هي تشوّش على السّير المنطقي للحجّة والعمل على تحريفها باتجاه فزّاعة وهمية يرحّل إليها الجدل ويدور حولها، هكذا صار الإعلام العربي المتورّط في لعبة كيّ الوعي مدينا لمغالطة البهلواني في تحريف صورة الأزمة وحقيقة الصراع..

مغالطة سدّ باب الذرائع

سنتناول الآن مغالطة أخرى شائعة في التخاطب اليومي بين النّاس، ونجد لها امتدادا ونفوذا ليس في إطار ما يجري من تخاطب وفق اللغة الطبيعية فحسب بل يمتدّ إلى أشكال التخاطب وفق اللغة الصناعية أيضا. ولذا فهي مغالطة جارية في خطاب الميديا وفي تقنيات التحكم بالمتلقّي، بل في الإعلام يزداد الأمر خطورة حينما تدخل تقنية الصورة في تعزيز هذه المغالطة: يتعلّق الأمر بمغالطة “سد باب الذرائع”(Slippery slope)، والعبارة هنا تفيد معنى مغالطة المنحدر الزّلق، وهي مغالطة تفرض الكثير من التّأمّل والتحدّي معا. ونعني بالتّحدّي أنّ هذه التي تسمى هنا مغالطة هي من الإلتباس ما جعل بعض أعلام أصول الفقه يصنفونها من قبل كأحد أصول التشريع المعتبرة في عملية استنباط الأحكام. وطبعا لن نغوص أكثر في رأي المنافحين عن هذا الأصل والمخالفين، غير أنّ ما ينتصر له علم أصول الفقه العقلاني هو أن لا يصار إلى أصل يناقض القواعد العقلية والبديهية اليقينية، ولا يصار إلى إقرار قاعدة أو أصل فيها مخالفة لمبدأ التيسير أو مخالفة مبدأ قبح العقاب بلا بيان. فهذا الأصل الذي يبدو في ظاهره منطقيا هو أصل خاطئ من حيث النظر ومن حيث العمل لأنّ نتائج سد باب الذرائع تؤدّي إلى مفاسد أخرى لا تقل عما يتم افتراضه عبثا. صورة هذا الأصل وأيضا صورته كمغالطة هو أنّ نفترض ترتّب جملة من الأحداث بناء على صدور أمر ما، وتنتهي هذه الأحداث في نهاية المطاف إلى ضرر ما، وهو كافي لكي يجعلنا نحكم بحرمة الفعل الأول، مع أن الحرمة في الأمر الأول ليست مقصودة في ذاته بل لغيره. ثم سرعان ما بنوها على المصالح والمقاصد، وفي قول ابن القيم:”لا يجوز الإتيانُ بفعل يكون وسيلة إلى حرام وإن كان جائزًا”، وفي تعريف ابن حزم :”ذهب قوم إلى تحريم أشياء من طريق الاحتياط، وخوف أن يتذرع منها إلى الحرام البحت”.

وتفتح الذرائع في مناسبات أخرى وعادة في موضوع التخريجات الفقهية مع خلاف ليس هاهنا مجال لذكره. وربّما سعى كل من الشاطبي والقرافي إلى التخفيف من ذلك عبر تقسيمات وتفريعات لسدّ الذرائع وفتحها بحسب ما يحدّده الظّن بالمصالح والمفاسد.

لسنا هنا في مورد نقض هذا الأصل كأصل في منظومة أصول الفقه بل نريد الإشارة إليه هنا كمغالطة منطقية. وباختصار شديد – حتى لا نستغرق في مطلب أصولي – فإنّ مقاصد المقاصديين وهم ألأقوى ممن سعى إلى عقلنة الذرائع ليست محصّنة عن العمل بموجب مغالطة المغالطة، ذلك لأنّ الظّن بالأحكام هنا عادة ما يخرج من دائرة الظّن الخاص المعتبر في الاستنباط والذي له شروطه وحدوده وبين الظّن العام الذي لا يأبه به العقل ولا الشرع وهو مفتوح على سائر الاحتمالات والأوهام. ثم إنّ ما يخشى منه مقرر في أصول وقواعد أخرى لا حاجة معها لإقرار أصل ملتبس، وأعني أنّ هناك غنى في قواعد وأصول نظير الاحتياط في موارده لا سيما في نوازل العلم الإجمالي بالأحكام كما هناك غنى في المصلحة السّلوكية التي تجعل المصلحة في صميم الجري العملي، وقاعدة لاضرر الفقهية ومقدّمة الواجب وما شابه. فلكلّ حادثة حكم خاص يصار إليه عند الاقتضاء. وهكذا وجدنا الشاطبي نفسه رغم قوله بالمقاصد حرّم التعمق في العلوم بذريعة الافتتان والضلال كما أجاز فرض الخراج على المسلمين إذا اقتضت ذلك المصلحة، مع أنّ الصّواب الذي يتيحه روح الفقه هو أنّ المسألة هنا لن يعود لها عنوان الخراج بل قد تقتضي المصلحة فرض حقوق معينة تحت عناوين أخرى. وأمّا المقاصديون الجدد فقد أفتوا بجواز كلّ المحرّمات التي تؤدّي إلى غزو سوريا كما فعل القرضاوي وحوارييه استنادا إلى مقاصد مغشوشة وذرائع مسدودة ومفتوحة على المزاج وسياسات كي الوعي.

تكمن المغالطة هنا حينما نثير عددا من الافتراضات المترتبة على فعل شيء، كقول أحدهم : إذا أكلت لحم الخروف فإنك قد تصاب بدوران لأنه غني بالشحوم وبالتّالي الكوليسترول قد يعرضك لنوبة قلبية وبالتالي ستموت، إذن لحم الخروف حرام.

تشيع مغالطة سد الذرائع في التخاطب اليومي وفي كل مستويات الحجاج، لأنّها تقوم على خدعة تهويل النتائج المترتبة افتراضا مما يجعل الفعل الأول يقوم مقام السبب بما يوحي بجريان قاعدة مقدّمة الواجب، وهنا تكمن الخدعة لأنّ الاستنتاجات المذكورة ليست يقينية وإلاّ جرت عليها مقدمة الواجب التي مفادها أنّه ما توقّف عليه فعل الواجب فهو واجب من باب لزوم ذي المقدّمة للمقدّمة. وأذكر لمّا كنت صغيرا استعملت هذه المغالطة مع أخي حيث كان لدينا مبلغان متساويان من المال، كان أخي يريد الدخول إلى السينما بينما كانت عيني على كتاب. والمبلغ الذي في يدي لا يكفي لكن لو أضفت مبلغه إلى مبلغي لتمكنت من شرائه. ولقد عملت جهدي لإقناعه بأن نشترك في شراء هذا الكتاب مع أنه كان رافضا ثم متردّدا. في الحقيقة استعملت الكثير من المغالطات بما فيها مغالطة التماس المشاعر لأنّني قدّمت له مقدمة في فلسفة الوجود جعلت الدنيا تبدو في عينه عبثا ولا قيمة لها إلاّ من علم ينتفع به، ثم لجأت إلى مغالطة سدّ الذرائع حيث قلت له إننا إذا دخلنا السينما قد تضيع منا فرصة قراءة هذا الكتاب وإذا ضاعت منا هذه الفرصة فسنظلّ في جهل كبير وسنحاسب على هذا الجهل ثم تركت مسلسل الافتراضات تكمل نفسها في ذهنه: أي إذا حوسبنا على الجهل شقينا واذا شقينا كان الموت أفضل لنا..المهمّ هو أنّني استطعت إقناعه. وكان الأمر مفيدا لكن الحجج التي استعملتها مغالطة مع أن مقدماتها ومعطياتها صحيحة. وهذا ما يعني أنّ بعضا من المغالطات لابدّ منه ومفيد وتتحقق به المصالح، ولكن ليس دائما، فلا يصار إلى فتح قاعدة”سد باب الذرائع” على مصراعيها. فأمام كل تسلسل سلبي ذرائعي يمكننا وضع تسلسل إيجابي مخالف فتبطل القاعدة رأسا.

وفي الميديا نجد استعمالا كبيرا لهذه المغالطة، وطبعا ليس حرصا على مصالح الجمهور أو دفعا لمفسدة، فالإمبريالية تخدم مصالحها وتذرأ فقط المفاسد التي قد تترتب عن يقظة الوعي لدى الشعوب. فلو فتحنا المبدأ على رهان المصلحة لما قام عقل أو شرع بل لساخت الدنيا بشعوبها..وهاك أمثلة من مغالطة سدّ الذرائع كما تمارس في خطاب الإعلام المضلل:

  • إنّنا نحارب اليمن وسوريا والعراق والبحرين لأنّنا إذا لم نحارب فسوف تصبح هذه الدول مناطق نفوذ صفوي، وإذا صارت مناطق نفوذ للصفويين فإنّهم سيحتلوننا وإذن وجبت الحرب ضد هذه الدّول..
  • بما أنّ إيران قوة صاعدة في المنطقة وهي تسعى لامتلاك النووي، فليس لنا من طريقة لصدّ هذا العدوان إلاّ بالتطبيع مع إسرائيل والتعاون معها ضدّ الخطر الإيراني وهذا يقتضي أن تكون إيران هي العدو الأول لنا وليس إسرائيل، فإذا لم نطبّع ستحتلنا إيران وتقضي علينا لتعيد أمجادها القديمة، إذن أصبح التطبيع واجبا..

نحن أمام مغالطة تعمل على إخفاء العوامل والأسباب الحقيقية التي تؤدّي إلى النتائج السلبية، كما أنّها تخفي إيجابيات عدم الإقدام على فعل ما أو الامتناع عنه تحت طائلة سدّ الذرائع. فبمثل هذه المغالطة يتم شرعنة الحروب الاستباقية التي تهلك الحرث والنّسل، وهي من المغالطات التي قد تترك آثارا مأساوية.

في تشريح هذه المغالطة يبدو أنّها تتضمن صور لمغالطات أخرى، فثمة عدم ترابط حقيقي بين المقدمات لأنها تبدو وكأنها أسباب لبعضها البعض بينما هذا لا يصحّ بالضرورة. ذلك لأنّ صحة كل مقدمة يتوقف على مدى صحة ما قبلها وهو أمر غالبا غير محقّق منطقيا لأنّ المقدّمة الأولى أو الثانية أو الثالثة قد لا تكون هي نتيجة حتمية لما قبلها. إنّ المغالط في هذه الحالة يسرد نتائج كثيرة تجعلك تخرج من استنتاج سيء إلى آخر أسوأ في تسلسل كارثي يجعل المتلقّي كمن يقع في منحدر زلق من الكوارث وهو ما يشكّل ضغطا على المتلقي يجعله يستسلم للحكم باعتباره حكما منطقيا.

عدد القراء: 40 | قراء اليوم: 1

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*