الرئيسية » المغرب العميق » اليوسفية الأسطورة…مواطنون يعيشون تحت الرصيف وآخرون يقتاتون على الفضلات

اليوسفية الأسطورة…مواطنون يعيشون تحت الرصيف وآخرون يقتاتون على الفضلات

ي.الإدريسي-م.بلمعلم

الأسطورة تقول إن لويس جونتي المهندس الفرنسي الذي اكتشف في عشرينيات القرن الماضي مدينة اليوسفية كمورد أساسي لمادة الفوسفاط، أقسم بما كان يعتقده رمزا مقدسا في ديانته، أن اليوسفية ستصبح “باريس” المغرب بأنوارها وأسوارها، وستنافس بذلك عواصم العالم…تغيرت الحكاية الأسطورية، ليعيش الحمريون نسبة لقبيلة “احمر” في كفن الموت تحت رصيف المعاناة، بنسبة 15 ألف مواطن يعيشون تحت عتبة الفقر من أصل 67 ألف كمجموع عدد الساكنة حسب التقرير الإحصائي لسنة 2014 الذي خصصه لمدينة تقول الأسطورة ذاتها إنها نبتت أو تكاد تنبت من فراغ.
لهذا السبب، لم يكن بدٌّ من ضرورة التفكير في جولة ليلية بشوارع وأحياء مدينة الفوسفاط، وحتى لا يتكرر مشهد اهتزت على وقعه المدينة كاملة، بعد أن تناقل نشطاء منذ شهور بمواقع تواصلية محلية صورا لأحد الأشخاص المتخلى عنهم يدعى “با العوني” عبارة عن جثة بلا روح تحت حائط مهترئ.

كلمات يأس مشفرة
الساعة تشير إلى العاشرة ليلا، توقفت الأمطار وكأنها تريد أن تساهم بدورها في هذا التقرير الاستطلاعي، وغير بعيد عن مكان اللقاء أرشدنا أحد المواطنين إلى مكان آخر قرب مصلحة البريد يتواجد بها شيخ مشرّد، وجد نفسه في يوم من الأيام يبيت في العراء، ويقتات على فضلات المارة، أومأ أمامنا بكلمات مشفرة لم يفهم أحدنا معناها، غير أن خلاصتها كانت سخطا وعدم رضى عن وضعية اختارها قسرا دون إرادته.

دموع حارقة ومعاناة خارقة
كان الحديث مع مشردين آخرين أكثر وضوحا من صديقهم، بالرغم من أنه كان يختزن حجما كبيرا من الألم الذي يقض مضجعهم إلى جانب صقيع فصل الخريف. ظروفهم تباينت، لكن المبيت في العراء كان قاصمهم وقاسمهم المشترك. أحدهم يدعى محمد وهو في الأربعين من عمره، حاول أن يعترف أمامنا بدواعي وجوده في مكان خال إلا من أصدقائه المشردين، لكنه تراجع عن ذلك بعد أن اغرورقت عيناه بدموع تنبئ عن كونه ليس أفضل حال من “با العوني” الذي فارق الحياة وهو غير راض عن وضعه.

حتى الجنس اللطيف يبيت هو الآخر في العراء
على بعد أمتار قليلة من محمد، توجد خديجة التي حذرنا منها أحد المشردين بسبب مزاجها المتقلب. أخذنا بنصيحته قبل أن نقرر الاقتراب منها في حذر شديد مناولين إياها قارورة ماء معدني وعلبة ياغورت، لم تترك لنا فرصة إلقاء السلام حتى قذفتنا بالقارورتين في مشهد يوحي إلى رفضها الباث للواقع والمجتمع معا. قصة خديجة مع الشارع ظلت مبهمة حتى لدى أصدقائها المقربين.

الكلاب خير أنيس
بتجزئة سكنية حديثة العمران، توجهنا إلى كوخ بلاستيكي اعتاد “سي عمر” المبيت فيه، لكن عند اقترابنا من باب الكوخ منعتنا بنباحها الشرس كلاب ضالة يبدو أنها كانت تحرسه في غياب حراسة أمنية ورعاية اجتماعية ودور إيواء، بالرغم من مناداتنا بصوت عال على “سي عمر” الذي يتضح أنه تأثر بشكل كبير لموت صديقه “با العوني” محل أفكاره ومستودع أسراره حسب ما أفاد به حارس ليلي بذات التجزئة.

ما بين أقوال وآراء

لا يمكن أن يختلف إثنان كون مدينة اليوسفية أضحت في الآونة الأخيرة قبلة لمن لا قبلة له، لكن في الآن ذاته يختلف أكثر من إثنين حول المقاربة الناجعة للحد من الظاهرة، فمنهم من يقول بأن الحل هو عند المشردين أنفسهم، وقائل آخر يلقي باللائمة على المسؤولين المحليين، في حين يرى آخرون أن الذين يبيتون داخل منازلهم قد يكونون أكثر سوءا ممن يبيت في العراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.