الرئيسية » أقلام وآراء » الحكاية الـ 18 من حكايات عنترة بن شداد : حصان و أي حصان؟؟؟

الحكاية الـ 18 من حكايات عنترة بن شداد : حصان و أي حصان؟؟؟

د محمد فخرالدين
فاقترب منهم عنترة ليرى من هم هؤلاء الفرسان ، و من أي القبائل ينحدرون ، فإذا مقدم هذه السرية أمير من بني عبس الأماجد يقال له عياض بن ناشد …فعلم أنهم من بني عبس ، فتقدم عنده و طلب لقاءه و سأله أن ينضم الى فرسانه و رجاله فكان له ذلك ..فسار معهم إلى حيث يسيرون ..
ثم إن الفرسان اقتربوا من حي للعربان اسمه الحلة ، و هو عامر بالنوق و الجمال و الأموال ،و تقدموا حتى أشرفوا عليه من أحد الجبال ، ثم إن عياض زعق في أول الخيل و حمل على الحي ،و تبعته الفرسان كالغيث إذا هطل أو كالسيل إذا انحدر، و دخلوا الأطناب و المضارب و ساقو الجمال و الأموال و ساروا بها خارج الحي ..
أما ما كان من أمر أهل الحي فإنهم ركبوا خيولهم لرد الحريم و العيال و الأموال، فردتهم رجال بني عبس على الاعقاب و مددوهم على الرمال ، و اخذوا منهم المزيد من الأسلاب ، و سطا عليهم عنترة بسطوته و حملاته و نال بسيفه كل الألقاب ..
و كان في الحلة فارس من الفرسان المشهورة يقال له الحارث بن عباد، و كان قد غضب على قومه فيما سبق من الزمان ، و لجأ عند أهل الحلة مستجيرا بهم ،فوجبت عليه نصرتهم لإقامته الطويلة عندهم ..
فلما رآى الحارث ما حدث لأهل الحلة ، وثب في عاجل الحال و ركب على مهر أدهم يشبه لون الظلام كأنه قطعة من الغمام ، و كانت أم هذا المهر يقال لها نعامة و كانت تضرب بها الأمثال في أرض تهامة …
ثم إنه صاح بين أذني المهر و قصد به الغارة ، فطار من البيوت كأنه من العفاريت الطيارة ، و لم ير الفرسان إلا غباره ،و قد وثب به وثبات متداركات مسرعات ، حتى صار بين الربوات العاليات و أمن صاحبه من الآفات و النكبات …
فلما نظر عنترة إلى ذلك الجواد المشتهر ، تنهد و تحسر و تعجب من خلقه كل العجب ، و انضرم في قلبه اللهب ، و قد ضاقت به الحيل ، و أصبح يمني نفسه بعسى و لعل ، و صار مثل الغريق في بحر العشق و الهيام ، لا يهنأ به مقام ….
لما رآى عنترة الحارث و هو على ظهر المهر طلبه و صبر عليه حتى قاربه ، فأبصر الموت في طعانه ، فعاد الحارث و زجر المهر بكعبه و صاح بين أذنيه و أطلق له العنان فمر به كالبرق ، و الجواد ينهب الارض بأربعة حوافر ، و يريد أن يدرك موقع نواظره ، و اذا رأى خياله حدثته نفسه أنه يسبقه، و يظن أن جوادا آخر قرب أن يلحقه ، و في درجة غاب عن عيني عنترة ، الذي زاد به القلق و نسي عشقه لعبلة بذلك الحصان الذي لم يجد بمثله زمان و ما ملك مثله إنسان…
هذا و بنوعبس قد ساقوا الغنائم الكثيرة من تلك الديار ، و أمروا العبيد أن يسوقوها حتى صارت في القفار ،و قالوا لعنترة :
ـ يا بن زبيبة تسلم هذه الأموال و سر بها بين التلال ، و نحن نقف عند هذه الجبال.. حتى نرد عنك من يتبعك من الرجال ..
فعندها تقدم عنترة و قام بما أمروه ، و قد علم أن القوم قد استحقروه فأسرها في نفسه ، وصاح في العبيد فساقوا الغنيمة بين يديه ..و كان عنترة يلهب بلهيب الحريق ، و لا يعرف كيف يخرج من تلك الأرض و ما حظي بذلك الجواد و قد ملك منه الجوارح و الفؤاد ..
و ما هي إلا لحظات إلا و ذلك الفارس أقبل بالمهر و هو يهيم ، و في فؤاده من ما وقع لذلك الحي مثل نار الجحيم ..
فلما رآه عنترة فرح فرحا شديدا ما عليه من مزيد ، و قال له :
ـ يا أيها الفارس بالله عليك أن تقف و تجيبني عن سؤالي ..
قال الفارس :
ـ ها انني قد وقفت فتكلم بما تريد وتختار ..
قال عنترة :
ـ أريد ان تبيعني هذا المهر الذي أنت راكبه ، و إلا ان تهديه لي إن كنت صاحبه ، فتصير لي أعز صديق و أكافيك بما ترغب و تريد ..
قال الحارث :
ـ لو كنت طلبت مني ذلك قبل أن تفعلوا بالحي تلك الفعال كنت أهديته لك في الحال دون سؤال ، و لكن يا فتى هذا حصان نجم راكبه مقترن بالسعادة ، لأنه يطير بلا جناح ، و في لمح البصر يغيب عن العيون ، و إن كنت ما سمعت به فهذا هو الأبجر بن النعامة،و هو الذي عليه الملوك في كل زمان تتحسر مثل كسرى و قيصر….
في الغد ترقبوا حكاية جيدة من حكايات أبي الفوارس عنترة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.