الرئيسية » أقلام وآراء » خواطر فوسفاطية 5

خواطر فوسفاطية 5

يوسف الإدريسي
إنه أول فاتح ماي يحل علي برقم تأجير رسمي، خرجت مع زميلي “الغاريست” لأشارك بدوري في الاحتفالات بالعيد الأممي للعمال. جلت ببصري هنا وهناك، عشرات الرؤوس تتقدمها أياد تلوح بشكل غير متناسق يوحي إلى أن هناك خللا ما. ألسنة تكاد تسقط من الأفواه، صراخ مدو لا يُدرك مغزاه…في وقت من الأوقات وجدتني أصرخ مثلهم دون أن أدري ما أقول، أوقفني صديقي المخضرم الذي عاصر أكثر من ثلاثة أجيال؛ إنك تضيع طاقتك في لا شيء، أنظر حولك، لو سألت المحتجين عن سبب احتجاجهم، لتنافرت أجوبتهم كما تتنافر أقطاب المغناطيس…قلت لكن هذا عيدنا جميعا!! قال هو كذلك، لكن لا بد أن تسأل نفسك قبل أن يسألوك، ولا شك أن يديك ورجليك وعينيك وأذنيك سيسألونك أيضا…قلت؛ أوضح أكثر، قال إن النقابيين يصرخون أكثر مما يسمعون، وأنا لا أريد لك أن تكون بوقا في جوقة صماء…قلت؛ دعك يا صديقي من هذا الهراء فالنقابيون منا ونحن منهم، بل هم صمام أماننا…قبل أن أتمم كلامي سمعت كلاما خادشا ينبعث من تكتل بشري يؤثثه لونان فاقعان، أدركت بعد ذلك أن الأمر يتعلق بتراشق كلامي حول مسار التظاهرة الاحتجاجية، التفتت إلى زميلي فأجابني ضاحكا إنه المشترك بينهم على مقربة من الانتخابات.
بعد يومين، جلست إلى أحد النقابيين الذي كان يمني النفس في مرتبة متقدمة ضمن القائمة الانتخابية، ابتسم في وجهي وهو يأخذ نفسا عميقا من سجارة خفيفة وقال؛ حتما سنفوز!! قلت، وأنا الفوسفاطي الساذج، إذن الإدارة ستصدر الأمر المصلحي الخاص بالتغطية الصحية، أو لربما سيتم تكييف القانون المنجمي مع المدونة، أجابني لا هذا ولا ذاك…بل سأصبح ممثلا للعمال، وآنئذ سأسحق كل من يتعرض إلى العمال بسوء، وفي هذا الوقت تحديدا أستطيع أن أفعل بهم ما أشاء…قلت من تقصد بكلامك؟؟ قال لا عليك مجرد كلمة عابرة، اللسان ليس فيه عظم.
بعد الانتخابات، رأيت الزعيم الذي طالما تحدث عنه العمال مطأطئين رؤوسهم من صلابة موقفه وقوة حزمه وعلو كعبه، هاهو الآن ترجمه الألسنة وتغمزه الأعين وتنسب إليه الإخفاقات…إنه النقابي عندما يموت….يتبع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.