الرئيسية » أقلام وآراء » المثل الشعبي : أو مدخل الحكمة والتربية في كلام المغاربة

المثل الشعبي : أو مدخل الحكمة والتربية في كلام المغاربة

د محمد فخرالدين

تقديم :

<< حكمة ـ الشعب>> أو ما سماها الانجليزي  سرجون وليام تومز ، ذات يوم من أيام سنة  1846<<فولك ـ لور>>، ذلك المصطلح الذي شاع بعد ذلك  ليدل << على مواد الأدب الشفهي للأمة   [1]>>

و رغم  أنه ليس هناك اتفاق بين دارسي ـ الفولكلور ـ  حول ماهيته ، يمكن القول أنه : 

<< ـ هو المادة التي تنتقل عن طريق الموروثات .

ـ حكمة الشعب و أدبه الذي لم يتعلمه من الكتب . 

ـ شيء يشترك فيه الفرد مع غيره تماما >> .

 و يبقى المثل الشعبي هو الناطق الرسمي باسم هذه الحكمة الشعبية التي وظفها القدماء في التسلية والتربية و التعليم  ونقل الخبرة إلى الناشئة و  حلقة  التجربة من الأجداد إلى الأبناء .. و المثل الشعبي يحمل رصيد المجتمع من القيم ، ويزوده بالقيم اللازمة للوجود و الاستمرار ، لدلك لا بد من المحافظة على كنوزه الحية  في إطار نظرة علمية وشموليه  للتراث المغربي ..

و المثل الشعبي  قول قصير او جملة سارت على الألسن فترة طويلة ، و غالبا ما كانت وراءه حكاية تبرر وروده ، ويقال في مناسبة و سياق مشابه للذي قيل فيه أول مرة .. و هنا من الأمثال من هو أقرب إلينا من غيره  سمعناه من شخص عزيز و ألفناه حتى سار موجها لسلوكنا و يدل على طبيعة شخصيتنا حتى نردده باستمرار مثله من المسموع  ـ و الله ما قفلتي لا فورتي ـ خلي الواعرة تجيك الساهلة ـ هنيها تهنيك  ..  

و قد اعتمدنا  في هذا المقال على ما جمعه الأستاذ محمد المستاوي من أمثال شعبية سواء بالأمازيغية أو معربة ، والأمثال التي لا زالت عالقة بالذاكرة من فصحى و عامية وردت نثرا أو شعرا ..

المثل الشعبي / خضرة فوق الطعام :

كان المثل الشعبي في الماضي  يلعب دورا تربويا و توجيهيا مهما  قبل أن يتحول إلى مجرد مملحات للكلام أو خضرة فوق الطعام ،  و لم يعد له ذلك الدور التربوي  في توجيه الناشئة الذين تركناهم ـ يعومون في بحرهم ـ بدون  توجيه  أمام حياة مليئة بالأخطار مسلحين فقط بالتجربة و الخطأ  ،  و دون أن نزودهم في الصغر بأسلحة قيمية و أخلاقية  تساعدهم على شق طريقهم بنجاح و الابتعاد عن سبل الانحراف حيث يظل هذا  الكلام الجميل يعمل في دواخلهم   كلما خطر موقف مشابه لما تعلموه  : مثل ـ  خدم اصغري لكبري ـ مع من شفتك  مع من شبهتك ـ للي قال ليك قال عليك ـ الوقت كالسيف … من حرث شيئا يحصده << وانا اكرزن كرا تمكرت>>   ـ مع من شفتك مع من شبهتك ـ اللي فاتك بليلة فاتك بحيلة  ـ   

  خطاب مزدوج /اطلع تاكل الكرموس  نزل شكون قالها ليك:

كم تقدم الحياة من متناقضات و تقدم الفول لمن ليس له أضراس و المثل الشعبي بدوره عبر عن هذا التناقض ، فقد نلاحظ  على بعض  أمثالنا الشعبية الازدواج و التناقض مثل ـ اطلع تاكل الباكور نزل شكون قالها ليك ـ  فهي تدعو مرة إلى التفكير و التأمل و عدم العجلة خاصة في الأمور الهامة ـ  الحصاد قبل الزواج ـ  << تامقرا قبل تامغرا >> ـ زواج ليلة  تدبيرو عام ـ  ميات تخميمة و تخميمة  و لا ضربة مقص ، لا زربة على صلاح …

 فكر قبل أن تتكلم <<ءيز وارد سوا نكم ساول  >>

و من جهة أخرى تدعو إلى عدم المبالغة في التفكير و التخمام ـ دير الهم في الشبكة شي يطيح شي يبقى ـ  فلا شيء باق في هذه الحياة ـ  لا تخمم ترفد الهم ديما الفلك ما هو مسمر و لا الدنيا مقيمة  ـ و الإيمان بالقدر : المكتاب ماعليه هروب..   

و  يدعو مرة إلى عدم القناعة بالفتات ـ  صام تاعيى و فطر على جرادة ـ  اللي بلاه الله بالسعاية يقصد الديور الكبارـ  ومرة إلى القناعة: ـ  للي ما  قنع بخبزة يقنع بنصها ـ .كول و قيس ..

جدلية الكلام و الصمت  : الواد الهرهوري و الواد السكوتي :

يفضل المثل الشعبي الإنسان الذي يتكلم على الإنسان الصامت لأن هذا الأخير لا يكشف عن  سريرته ولا تعرف علاش مطوي ـ دوزعلى الواد الهرهوري لا تدوز على الواد السكوتي ـ و مع ذلك يدعو إلى صون اللسان خاصة وسط الجماعة ـ فالدجاجة لا تبيض بين الناس << ءورار تصدار تفولوست غ ـ كر مدن >> ، و الانتباه إلى ما قد يجره اللسان على صاحبه ـ منين جاتك العافية يالفران من فمي ـ من أحرقك يا فرن؟فمي ،<< ماك ءيجدرن ءايا فارنو ؟ ءيمينو >> ، و أن لا يسيء الإنسان  إلى الغير بكلام السوء ـ فجرح اللسان أقوى من جرح اليد …  << ءينراءو كناكاي  ن ـ ءيمي وين ءوفوس >>..   جراحات اللسان لها التئام  ـ و لا يلتام ماجرح اللسان.. 

 كذلك  ينبغي  اجتناب الكذب و الادعاء و إرخاء السلوقي بالكذب ، فالخميرة الكثيرة تنفخ العجينة << تامتنت ءيكوتن ءار تزبزاك لعجين >> .. و اللي عرفنا عراه ما همنا كساتو ..

الظاهر و الباطن / المزوق من برا ..

لا ينبغي تصديق المظاهر على حساب الجوهر و الحقيقة فالمظاهر قد تخدع كثيرا و لا تطابق الجوهر ـ  آ المزوق من برا آش خبارك من الداخل ـ ، والأفعى مزركشة و في فمها العطب << ءيتكلا ءوبنكال ميش ءيكست ءيمينس >>  إن الأفاعي  و أن لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطب ،فالمثل الشعبي  يشجب النفاق  حين يكون  ـ  السن يضحك للسن و القلب فيه الخديعة ـ  و ذلك الشخص صاحب السلوك المزدوج الذي ـ يكوي و يبخ  ـ  و يلسع و يدهن << ءار ءيتقس ءار ءيز غور>>..

ـ الشمس لا تحجب بالغربال :

إن الحقيقة  لا بد أن تظهر ـ   و اللي يشطح ما يخبيش  لحيتو ـ  و الشمس لا تضرق بالغربال او تحجب  بالأصبع …<< تريت ءاتسنتلت تافوكت س ـ ؤضاض >>

و المثل الشعبي  يدعو إلى الإعراض  عن  الذين يتظاهرون بما ليس فيهم  ـ الذيب قالوا ليه ترعى الغنم بدأ يبكي <<ءاريالا ووشن ماخ ءايسنان ءاتكست ءولي >> و الذين يعيبون ما لا يستطيعون الوصول إليه  ـ  المش مللي ما كا يوصلش اللحم كا يقول  خانز << ءيناءو موش ءيخ تحا >> .. 

كذلك للمثل الشعبي رأي في الجمال ، فجمال الفعل أحسن كثيرا من جمال الوجه ،  الزين في الدفلة و حار<< ءيفولكي باهرا ءوليلي ميش ءيحرا >>  شجرة الدفلة جد جميلة لكن مرة  ، فالجمال يكمن  في الروح و ليس في المظهر ..لا يغرك زين دفلة في الواد دايرة ظلايل ـ لا يغرك زين طفلة تا تشوف الفعايل ..

ـ الفتى المدلل لا يرعى الغنم :

يدعو المثل الشعبي إلى العمل و تحمل المسؤولية  فالخروف لا تثقله قرناه << ءيزمر ءورارت زوزيين واسكيون نس >>، و الطاحون لا يطحن الكذب <<ءازرك ءورار ءيزاض ءيكركيسن >> و الرحى لا تطحن القرون  و جعجعة ولا نرى طحينا …

و الفتى المدلل لا يرعى الغنم << ييوس ن ـ ئمي حنا ؤرئز ضار ءايكس >> فلا بد من الحزم فالكسكس اذا لم تحزمه لن يصل إليه البخار <<سكسو ءيغاس ءور تبيكست ءورا ءاتيد غلين ءيراكن >> و الله ما قفلتي لا فورتي ، و عدم التراخي في العمل حتى يفوت الوقت ـ ضرب الحديد ما حدو سخون   ـ الذيب وسط الغنم عادا بدا يربي السلوقي  ـ وعدم تكرار الخطأ ـ   لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين  ـ و عدم الاستسلام ـ الرجل يسقط في عشرين حفرة و يصعد منها ..

على المرء أن لا يتعلم البحث عن مصلحته الشخصية فقط ، فاليد التي الفت أن تأخذ لن تعطي << ءافوس ءيميارن ءاقاي ءورار ياكا >>  و أن يستعد للعطاء ـ  من أكل دجاج الجيران عليه أن يسمن دجاجه …كما ينبغي الاعتناء بالآخرين و خاصة الفقراء ـ الكرش الشبعانة ما درات بالجيعانة ـ  الرزق قليل و طاحت فيه ذبانة  ..

ـ قطرة قطرة يحمل الواد :

و النجاح  في العمل و الحياة يكون بالتدريج ولا يكون مرة واحدة   ـ   قطرة قطرة يحمل الواد ، و يدخل الجمل القدر جزءا فجزءا  ـ <<  ءيميك س ءيميك ءاس ءيكشم ءورعم ءاكدور >>، فمن أراد الحلو عليه أن يصبر للمرـ<< يان ءيران تيد ميمنين ءيصبر ءيتيد رزيكنين >>  ـ لبغى العسل يصبر لقريص النحل ـ

و يدعو المثل إلى المسؤولية ، فالدجاجة الماكثة في  عشها ، أحسن من التي تركته << توف تالي ءيسدلن تالي ءيصدرن >> ، لان الدجاجة الغير الجاثمة على بيضها لن تخرج الكتاكيت  كما في مثل آخر << تافولوست نا ءور  ءيسكوطين ف ـ تكلاي  ءورار تنورزوم  ءيكياون >> ، ولأن الخفيفة ما تجيب صداق ..

ـ لا تضيع بارود في موكة  :

و مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يحمل العمود من الجهة الثقيلة ، و أن لا يحاول الإنسان تقويم ما لا يستقيم   علمه علمه و إلى عمى سير و خليه  << ملاس ملاس ءيغ يوكي تخاتاس >> ، فمن علمك خير ممن أعطاك <<  يوف ياناك ءيملان ياناك ءيفكان >> و اللي شفتيه راكب على قصبة قول ليه مبارك العود  << يان ءيسودان ءاغانيم ءينيياس مبارك ءاييس >> .. و أن يستعين بغيره في العمل لأن اليد الواحدة لا تصفق و النحلة الواحدة لا تصنع عسلا ، فالناس ليسوا على نفس الميول نحو الاجتهاد و العمل والمعقول، أغراس أغراس ـ من جعل الناس سواء ـ ليس لعقله دواء ـ  ففيهم الخامل و المنتج لذلك << فكمشة نحل خير من شواري ذبان >> و الابتعاد عن صاحب السوء الذي يعوج مسار الجماعة : <<  حوتة واحدة كاتخنز الشواري ..>> ..و الدعوة إلى عدم تضييع الوقت فيما لا يفيد ـ لا تضيع بارود في موكة ـ

و العمل أنواع الذي لا يكسب منه صاحبه شيئا ذلك كراع لجدته<<  غان ءيكا زوند ءامكسان ـ جداس >>  و ذلك الذي فيه الكسب كمن وضع يده في قربة اللبن …<< ءيكان ـ ءافوس خ ـ تكشولت >> .

   ـ نباح الكلب لن يرد سحابة ـ  :

يدعو المثل إلى الابتعاد عن الفضوليين و العمل دون انتباه إليهم ـ  فنباح الكلب لن يرد سحابة ـ << توغان ـ وييدي ءورار ترارانت تامدلوت >> وبالفصحى ـ ما يضير الشمس نباح الكلاب ـ  و القافلة تسير و الكلاب تنبح ـ   كما  يدعو  إلى إهمالهم ـ أهمل الكلب تستريح<< نخل ءايدي تافت راحت >> . الذين لا يصدر منهم إلا الشر ـ  محزم بالشكوة و يقول الذبان منين جاني ـ.

فهم يشبهون الوسخ و الذي  يدخل بين الضفر و اللحم  << ءيركان كا ءايكشمن كر تفيي د ـءيسكر >>  ـ الفضوليون  يتركون شؤونهم و يهتمون بشؤون الغير ـ  هم  لا ينظرون إلا لعيوب الغير و ينسون عيوبهم  ـ الجمل كايشوف غير دروة خوه ـ ـ مرض الحمار و البردعة تئن ـ  << ءيهرش ءوغيول ءار  ءيندر ءوحلاس >>  ..   فهم مثل تلك التي تركت بيتها و ذهبت تنظف الحمام ـ  خلات دارها و مشات تسيق الحمام …

الذي لا تسمع منه فايدة …رفقتو زايدة :

  و رغم كوننا قد لا نتفق و مضمون عدد من أمثالنا  الشعبية التي قيلت في سياقات متناقضة ـ   كتشميسة و لا تخميسة ،  للي زربوا  ماتوا ، بالمهل كايتكال بودنجال ،غرسو يقلعك …..فيجب أن نفهم هذه الأمثال في سياقها الخاص ، و أن لا نحملها أكثر ما تحتمل ..

و مع ذلك تبقى الأمثال الشعبية المغربية ثروة رمزية وطنية ، تلعب دورا مهما في توجيه الناشئة  و تعليمهم و تربيتهم تربية سليمة تمكنهم من  التزود بالقيم اللازمة ، و اكتساب الثقافة المغربية  للعمل داخل مجتمعاتهم ..

و نظرا لهذه الوظيفة المهمة للأمثال الشعبية المغربية ينبغي توظيفها و الاستفادة منها في  كتبنا المدرسية الفقيرة إلى هندسة واضحة للقيم خاصة تلك التي تعزز قيم التربية و السلوك المدني بأسلوب مشوق ، وإن كتبا بلا فائدة رفقتها زائدة ..

[1] مدخل لدراسة الفولكلور ص 23

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.