الرئيسية » أقلام وآراء » للحكومة إنجازاتها ولنا واقع الأزمة والبؤس الاجتماعي

للحكومة إنجازاتها ولنا واقع الأزمة والبؤس الاجتماعي

بقلم: يونس_التايب

إلا أن يتبين لنا بعد حين، أنه كان مُقـدرا في سابق علم الله، أنه سبحـانه وتعـالى سيلُهـم السـيـد رئـيـس الحكـومـة ليقـرر عقـد مجلـس حكـومي استثنـائي خـلال الأربعة أيام المتبقة من هذه السنة، بجدول أعمال خاص، سأتقاسم معكم في نهاية هذا المقال كيف تمنيت أن يكون مضمونه، يمكننا الجزم بأن المجلس الحكومي المنعقد يوم الخميس 27 دجنبـر بالرباط، كان آخر اجتماع من نوعه لسنة 2018.

وكأي سنة تشرف على الانتهاء، يكون بالضرورة جزء أساسي من حديث المجالس هو التذكير بالحصيلة، أو على الأقل بجزء منها، وتقـديم “وعود جديدة” بأن “الخير لا محالة أمام”، وأن ما على الناس إلا أن يصبروا فترة أخرى وأن يحتسبوا. ذلك تقريبا ما وقع صباح يوم الخميس، حيث خصص رئيس الحكومة كلمته الافتتاحية، للتطرق إلى حصيلة حكومته خلال السنة المنتهية.

بداية الكلام كانت تأكيدا على أن “السنة التي نودعها تم خلاها إطلاق عدة أوراش مهمة”. لينطلق تعداد تلك الأوراش من طرف رئيس الحكومة، الذي قال أن هذه الأخيرة “أطلقت إصلاحات كبـرى، وقامت بإعداد قوانين مرتبطة بها؛ من أبرزها ميثاق اللاتمركـز الإداري الذي سينشـر قريبا في الجريدة الرسمية، ومشروع قانون الإطار للتربية والتكوين، الذي عرض في مجلس الحكومة، وصودق عليه في مجلس وزاري، وسيناقش انطلاقا من اليوم في البرلمان”. كما أشار المتحدث إلى “مشروع قانون إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار”، المعروض على أنظار البرلمان، وكلها أوراش اعتبرها سيادته “ذات بُعد استراتيجي”، منوها بكونه هو وحكومته نجحا “في إعدادها وإيصالها إلى البرلمان”. وليس لنا إلا أن نقول الحمد لله على أن حكومتنا استطاعت إيصال نص مشاريع قوانينها إلى البرلمان. لنمعن النظر فيما قاله رئيس الحكومة.

أما الورش الأول فهو “ميثاق اللاتمركز الإداري” الذي سينشر قريبا. بمعنى أنه لا زال، لحـد السـاعـة، شيئا خارج الزمان والمكان، وليس له أي أثر على حياة المواطنين المغاربة.

فيما الورش الثاني، هو “مشروع قانون الإطار للتربية والتكوين” الذي سيبدأ البرلمان بمناقشته. و هنا أيضا نتحدث عن نص لا زال بعيدا عن أن يكون له أثر في حياة الناس.

أما الورش الثالث، فهو “مشروع قانون إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار”، الذي وُضع في مكتب السيد رئيس مجلس النواب، لتتم مناقشته والتصويت عليه بالرفض أو بالقبول. و مرة أخرى، هنا أيضا تحدث رئيس الحكومة عن “شيء” لا زال خارج أي دينامية لها أثر مباشر على المستثمرين أوعلى واقع الناس الذين لن يتغير من أمرهم شيء.

هذا فهمنا نحن كمواطنين لمنطوق كلام رئيس الحكومة، الذي يبدو أن له تقديرا مغايـرا للأمور، حيث يعتبر كل تلك الأوراش “ذات بُعد استراتيجي”، و يعتز بكونه هو وحكومته قد نجحا “في إعدادها وإيصالها إلى البرلمان”. هذا ربما بالنسبة إليهم إنجاز كبير في حد ذاته، أما نحن شعب هذا الوطن فلنا أن نستمر في التأمل وأن نسترجع، كما في الأثر الصحيح، ما قد نكون ارتكبناه من “معاصي”، ونرفع الأيادي إلى العلي القدير نرجو عفوه عما فعلناه في حق أنفسنا لينزل بنا هذا الابتلاء الذي يتجلى في فاعل حكومي يسير في زمن آخر غير زمننا، وبسرعة لا يمكن بتاتا أن نصل بها إلى شيء ذي بال.

لا أدري هـل وصلكـم المعنى الكارثي لهذا المنطق الذي يريدنا أن نبتهج بكل تلك “الإنجازات” التي لم يصلنا بعد شيء من أثرها؟

كنت قد حدثتكم عن نظرية “إبطاء الإيقاع” وترك المشاكل المجتمعية تتفاقم بهدوء، وفق منطق تشجيع تحلل الوظائف المؤسساتية لآليات التدبير العمومي، كما نراها بادية من خلال أداء الفاعل الحكومي، وفي هذا المقال، استعرضت عليكم “إنجازاتهم”، فهل تيقنتم الآن أن مسألة “الإيقاع البطيء” الذي يدبر به شأننا العام، هو المدخل الأساسي لفهم كل شيء عن واقعنا السيء ؟ أم يحتاج الأمر توضيحا أكـثـر؟

لا… لا… أنتم أذكياء ولا أحسبكم إلا قد فهمتم عمق المأساة. إذن، فلنكمل باقي الحكاية.

بعد “حديث الأوراش ذات البعد الاستراتيجي” هـذا، انتقل رئيس الحكومة إلى الحديث عن “المستوى الاجتماعي”، ليذكـر بما أسماه “المبادرات المهـمـة ذات التأثير المباشر على مستوى عيش ملايين من المواطنين، مثل توسيع البرامج الاجتماعية عن طريق إصدار قوانين أو بواسطة برامج اجتماعية”. و أكد أن “المرحلة تتطلب إصلاحات اجتماعية متواصلة، لأن عـددا من المواطنين بحاجة إلى العناية والرعاية، وإلى توسيع البرامج سنة بعد سنة”. واعتبر رئيس الحكومة أن “أهم ما تحقق في 2018 هو إعطاء دفعة جديدة لمنظومة الحماية الاجتماعية، ونحن الآن بصدد المراجعة الكاملة لها”. كما ذكر أن الحكومة “تعد مشروع قانون السجل الاجتماعي الموحد الذي سيمكن من توجيه البرامج الاجتماعية مباشرة إلى المستفيدين، سواء كانوا من الفئات الفقيرة أو الفئات الهشة أو الأرامل اللواتي لديهن برنامج دعم خاص، أو المطلقات والمعوزات كفيلات أبنائهن وغيرهـن”.

ولأنني أحس أن هذا الكلام يقربنا، شيئا ما، من واقع المواطنين المغاربة، لن أقسو على الفاعل الحكومي، وسأكتفي بملاحظتين اثنتين:

1/ أما الملاحظة الأولى، فهي بشأن رصانة القول أنه قد تم “إعطاء دفعة جديدة لمنظومة الحماية الاجتماعية”، و في نفس الوقت الحديث عن أن الحكومة هي “بصدد المراجعة الكاملة” لتلك المنظومة؟

بحسب المتعارف عليه، لا يتم إخضاع أي منظومة لمسار مراجعة كاملة، إلا عقب تشخيص خلل أو اعوجاج كبير فيها. وبالتالي، ما معنى أن نعطي “دفعة إمكانيات جديدة” لمنظومة نحن متيقنون أنها لا تفي بالأهداف ولا تحقق الغايات؟

ألا نكون بذلك السلوك، بصدد تبدير المال في غير محله، و تكريس نتائج الخلل في المنظومة، و توسيع أثره، وتمييع الممارسة المرتبطة به بشكل أكبر، وبإمكانيات أوسع؟

أليس الأنجع هو أن تسارع الحكومة إلى بناء “الإطار القانوني والمؤسساتي، وتسطير مضمون ونوع المراجعة المرجوة، وبذل الإمكانات في الاستثمار من أجل تأهيل الموارد البشرية، ووضع أنظمة تدبير الخدمات، وتسطير استراتيجيات التواصل، ووضع خطة تدبير الانتقال المؤسساتي من الشيء القائم إلى الشيء المرجو والمراد الانتقال إليه؟

2/ أما الملاحظة الثانية، فهي متعلقة بملف “السجل الاجتماعي الموحد”، والذي للأسف لا زال الفاعل الحكومي في مرحلة إعداد “مشروع قانون” بشأنه، دون أي أفق زمني واضح لذلك، ولا بيان بمضمونه وتوقيت صدوره الرسمي. ورغم ذلك، لا يمكننا إلا أن نثمن الفكـرة، متمنين أن يعجل الفاعل الحكومي تنفيـذ هـذا الـورش، الذي كـان جلالـة الملك حفظه الله، قد ألح بقوة على ضرورة التسريع بإخراجه لحيز الوجود، لعل بلادنا تخرج مما هي عليه، حتى الساعة، من تقديم لبعض الدعم العمومي في غير محله.

المهم، بعد كل ذلك، وفي ختام كلمته الافتتاحية، وجه السيد رئيس الحكومة “تحيته إلى جميع المغاربة من النساء والرجال والشباب والأطفال، وجميع أولئك الذين تألقوا وطنيا ودوليا، وشرّفوا بلدهم في عدد من المستويات”، لافتا الانتباه إلى أن “هذا التفوق يعكس العبقرية والنبوغ المغربيين النابعين من المجتمع المغربي ومن تاريخه وحضارته، لذلك نهنئ الجميع وهذا يثلج الصدر، ونأمل أن يزيد تألق المغاربة”.

بكل صدق، سرني أن رئيس الحكومة تحدث أخيرا عن “العبقرية والنبوغ المغربيين، النابعين من المجتمع المغربي ومن تاريخه وحضارته”، خصوصا وأنني كنت قد نبهت إلى ذلك الأمر في مقالي بعنوان “إبقاء شعلة الأمل ضرورة مجتمعية استراتيجية”، و ألححت حينها على حتمية أن نبقى متيقظين معتزين بهويتنا، وألا نستسلم لليأس ولا لدعاته، وألا نترك الإحباط يتسلل إلى الأنفس تحت وطأة المشاكل والخلل الكبير الحاصل في تدبير الشأن العام خلال السنوات الأخيرة. وأن نظل، برغم كل شيء، واعين بأننا شعـب عـريـق وكريم تعتمل في بناءه المجتمعي كل مقومات العبقرية والنبوغ وشروط النهضة والتنمية.

ولكنني بموازاة فرحي بهذا الجزء من كلام رئيس الحكومة، لا أخفيكم أنني توجست بداية، ثم أعقبت ذلك تمنيا صادقا بأن تكون روح سيدي عبد الله كنون، صاحب “النبوغ المغربي”، قد حضرت بكل ما فيها من نور وبركة، في دواخل السيد رئيس الحكومة وهو يلقي حديثه، لكي يتشبع هو أولا، بحقيقة معاني الكلام ويستحضره فيما بقي له من وقت وهـو رئيس لحكومتنا، لينعكس ذلك الإدراك لنبوغ وعبقرية الشعب المغربي، في قرارات ومبادرات حكومية جريئة وناجعة، تحمل بشكل عملي الخير للناس، وتعيد الثقة والأمل، و كأنها انحناءة أسف واعتذار لكل مغربية ومغربي توجع من أثر السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي أوغلت في التضييق علينا.

أما استحضار النبوغ المغربي دون تقدير لحقه، فلن يكون له معنى، اللهم إلا إذا اعتبرنا ذلك الكلام مجاملة لطيفة للرأي العام، بغرض تدارك ما ترسخ في أذهـان المغاربة، خلال الأيام الأخيرة، من كون رئيس حكومتهم كرس كل جهده و كل خرجاته الإعلامية، و كل خطاباته التأطيرية الحزبية، للدفاع والترافع عن “مـواطـن مغربي واحـد”، ونسي أن في المغرب 35 مليون مواطن آخر، منهم الناجح المتفوق السعيد الذي يستحق التنويه، ومنهم المثابر الصبور الذي يستحق المواكبة والتشجيع، ومنهم الصامد أمام بؤس الحياة وإكراهاتها، الذي يستحق الدعم والترافع عن حقوقه جميعها.

المهم، سنحسن الظن كعادتنا، ونطمئن السيد رئيس الحكومة أن تهنئته قد وصلت، وهو مشكور عليها.

أما حديث “المنجزات على المستوى الاجتماعي” فلا أعتقد أنها تحتاج مني لجهد كبير لإظهار ضحالتها أمام حجم العجز الصارخ الذي نلمسه كل يوم و في كل مدينة و قرية: ألاف الأطفال ضحايا الهدر المدرسي، وألاف الأطفال الصغار يشتغلون في ظروف غير لائقة لينفقوا على آباءهم، و أطفال مشردون في الشوارع، ونساء ضحايا العنف والاغتصاب، وفتيات عاطلات وليس لهن أفق يحفظ الكرامة، وشباب جامعي معطل عن العمل، وشباب قروي عاطل وأطفال رضع يموتون بلقاحات مشكوك في صلاحيتها، ومستعجلات طبية لم يعد لها من الصفة إلا الإسم و… و… و…

وللسيد رئيس الحكومة أن يطالع الأرقام والإحصائيات والدراسات والتقارير الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، وعن المجلس الأعلى للحسابات، وعن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وعن منظمات المجتمع المدني، وعن مراكز الأبحاث والدراسات، وهي كلها توثق لعدم صدق “إنجازات” الحكومة.

وأنا أحلل معاني تلك الأرقام، التي قد أعود إليها في مقالات مقبلة، صادفتني مجموعة من الصور التي تعكس براءة أطفال و شباب من قلب مدن بلدي و باديته الشاسعة، وتمنيت بصدق لو كان بإمكاني أن أزف إليكم أن مجلسا حكوميا سينعقـد، يوم الجمعة أو السبت، أو ربما يوم الإثنين 31 دجنبر 2018، بصفة استثنائية، وسيكون جدول أعماله :

1/ الاطلاع على خريطة الفقـر والإحصائيات الديمغرافية المتعلقة به؛

2/ تحديد اللائحة الكاملة لكل جيـوب العتمة والبؤس الاجتماعي؛

3/ المصادقة على برنامج استعجالي لحفظ كرامة أطفال وشباب وطني، يرتكز على محور خدماتي أساسي، هو : ضمان التغذية والتطبيب والتعليم والتكوين لكل طفل وشاب مغربي حتى سن 25 سنة.

وأن أزيد في إسعادكم بالقول أن رئيس الحكومة أصدر توجيهاته لكي تصدر مراسيم تفعيل القرارات المتخذة، ويتم نشرها في الجريدة الرسمية قبل نهاية 2018، حياء من الحكومة أمام حجم الألم والبؤس الذي أحست أخيرا بواقعه الأليم على الناس، وأدركت أنها لم تتعاطى معه بالجدية المطلوبة منذ البداية.

وكنت سأعلق حينها بالقول أن هذه الخطوة المتميزة والوطنية الصادقة للفاعل الحكومي، ما هي إلا “انعكاس لوعي سياسي لدى الأحزاب المشكلة للأغلبية”، والتي قررت أماناتها العامة أن تجتمع “على عجل”، لتتـدارس كيفية التصدي “لظلم الفقر والبؤس الاجتماعي والعوز الذي يطال الناس”، ولتنظر بكل ما أوتيت من “قـوة صراخ قياداتها وكفاءاتهم في الترافع عن المظلومين”، في كيفية التعاطي مع واقع هذا “الظلم الخطير” الذي يعتبر “انتكاسة وردة حقوقية” تهددنا بالعودة إلى “مراحل مظلمة” عرفها المغرب عندما كان الناس في فقـر وفاقـة، وكان عـام البـون، وكانت الأمور ليست على ما يرام.

لكن للأسف، لن أستطيع كتابة كل ذلك لأنه غير صحيح بالمرة. فلا الحكومة ستجتمع من أجل قضايا فقراء وطني وهموم شبابه، ولا الأحزاب السياسية ستقترح شيئا للتخفيف عنهم، ولا سياسات عمومية بديلة في الأفق، ولا تعبئة من منظور إنساني أو من منظور المسؤولية الاجتماعية ستتقرر.

فحكومتنا لا تتوفر على نفس الفهم لمعنى الوقت، أو ربما هي تفهمه جيدا وتعي قيمته، ولذلك تضيعه على الوطن في الهرج والصراخ وفي توتير الجو وخلق أجواء مشحونة بقضايا سياسوية بمنظور حزبي ضيق.

فبينما يوم فقراءنا طويل لا ينتهي، ألما وحسرة ويأسا، يوم الفاعل الحكومي مليء بحديث “الأوراش” التي لا علاقة لها بالزمان والمكان. و المريب حقا، أن لا شيء يبدو بإمكانه أن يخرج الفاعل الحكومي من حالة السكينة و الاسترخاء، لا حديث الذئاب المنفردة أو المجتمعة، ولا حجم المخاطر التي تتربص بالوطن.

وهنا لا يمكن لكل عاقـل إلا أن يحس بقلق شديـد و بتوجس عميـق، لأن الموقف يستدعي أعلى درجات اليقظة و الاستنفار وتعبئة الطاقات و تحريك آليات التدبير العمومي والحرص على الفعل الاستباقي لمحاصرة لمعالجة البؤس المستشري و التصدي للشر وأهله، وإبقاء شعلة الأمل لأنها ضرورة مجتمعية استراتيجية. والله ولي التوفيق.

فاعل سياسي ومتخصص في الحكامة الترابية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.