الرئيسية » المغرب العميق » مظاهر التشرد والحرمان.. إقليم اليوسفية نموذجا

مظاهر التشرد والحرمان.. إقليم اليوسفية نموذجا

يوسف الإدريسي

جميعنا بإقليم اليوسفية يتذكر صورا تراجيدية لشيخ متخلى عنه كان يُدعى قيد حياته “با العوني” بعد أن تناقلها نشطاء بمواقع تواصلية محلية، لتكشف عن أن “با العوني” سقط إثر صقيع جامد، جثة بلا روح تحت حائط مهترئ.
فبالرغم من وجود تصريحات رسمية تقول إن الإقليم شهد 419 مشروعا باستثمار فاق مبلغ 167 مليون درهم ساهمت فيه المبادرة الوطنية ب 126 مليون درهم، إضافة إلى 148 مشروعا وُصف وقتها بالتنموي، بلغت كلفته الإجمالية 90 مليون درهم وشملت مرافق اجتماعية حيوية، إلا أن واقع الحال يفند التصريحات والإحصائيات، إذ قمنا في الصدد ذاته بجولة استطلاعية ليلية بأحياء مدينة اليوسفية حيث أرشدنا أحد المواطنين إلى مكان قرب مصلحة البريد كان يتواجد بها شيخ مشرّد، وجد نفسه في لحظة من اللحظات يبيت في العراء، ويقتات على فضلات المارة، فأومأ أمامنا بكلمات مشفرة لم يفهم أحدنا معناها، غير أن خلاصتها كانت سخطا وعدم رضى عن وضعية اختارها قسرا دون إرادته.
من مكان آخر، وبدموع حارقة ومعاناة خارقة، كان الحديث مع مشردين آخرين أكثر وضوحا من مسؤولي الإقليم… ظروفهم تباينت، لكن المبيت في العراء كان قاصمهم وقاسمهم المشترك. أحدهم يُدعى محمد وهو في الأربعين من عمره، حاول أن يعترف أمامنا بدواعي وجوده في مكان خال إلا من أصدقائه المشردين، لكنه تراجع عن ذلك بعد أن اغرورقت عيناه بدموع تنبئ عن كونه ليس أفضل حال من “با العوني” الذي فارق الحياة وهو غير راضٍ عن وضعه.
حتى الجنس اللطيف يبيت هو الآخر في العراء، فعلى بعد أمتار قليلة من محمد، تتواجد خديجة التي حذرنا منها أحد المشردين بسبب مزاجها المتقلب. أخذنا بنصيحته قبل أن نقرر الاقتراب منها في حذر شديد مناولين إياها قارورة ماء معدني وعلبة ياغورت، لم تترك لنا فرصة إلقاء السلام حتى قذفتنا بالقارورتين في مشهد يوحي إلى رفضها الباث للواقع والمجتمع معا. قصة خديجة مع الشارع ظلت مبهمة حتى لدى أصدقائها المقربين.
الكلاب بدورها تئن لحال المشردين فباتت خير أنيس لهم بتجزئة سكنية، حيث توجهنا إلى كوخ بلاستيكي اعتاد “سي عمر” المبيت فيه، لكن عند اقترابنا من باب الكوخ منعتنا بنباحها الشرس كلاب ضالة يبدو أنها كانت تحرسه في غياب حراسة أمنية ورعاية اجتماعية ودور إيواء، بالرغم من مناداتنا بصوت عال على “سي عمر” الذي يتضح أنه تأثر بشكل كبير لموت صديقه “با العوني” محل أفكاره ومستودع أسراره حسب ما أفاد به حارس ليلي بذات التجزئة.
ما بين أقوال وآراء، لا يمكن أن يختلف إثنان كون مدينة اليوسفية أضحت في الآونة الأخيرة قبلة لمن لا قبلة له .. لكن، في الآن ذاته يختلف أكثر من إثنين حول المقاربة الناجعة للحد من الظاهرة، فمنهم من يقول بأن الحل هو عند المشردين أنفسهم، وقائل آخر يلقي باللائمة على المسؤولين المحليين، في حين يرى آخرون أن الذين يبيتون داخل منازلهم قد يكونون أكثر سوءا ممن يبيت في العراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.